
بشتاشان: الجريمة المركبة
د. أحمد الشيخ أحمد ربيعة
لا تزال أحداث بشتاشان، رغم مرور عقود عليها، جرحًا مفتوحًا في الذاكرة السياسية للشيوعيين العراقيين والأنصار، وواحدة من أكثر المحطات إثارة للجدل في تاريخ الحركة الكردية والعراقية عمومًا. فهذه الجريمة لا تُستحضر فقط بوصفها واقعة دموية، بل كعقدة سياسية وأخلاقية لم تُحسم روايتها حتى اليوم.
ثلاث روايات متصارعة
ثلاثة مواقف تتنازع مواقف الشيوعيين والانصار اتجاه هذه الجريمة التي مازلت جراحها تدمي ضمائر من عاصر تلك الفظائع وتجرعوا مرارة تبعاتها.
الرواية الأولى تُحمّل المسؤولية الكاملة للاتحاد الوطني الكردستاني (أوك) وقيادته آنذاك، وعلى رأسها جلال الطالباني وأنوشيروان، معتبرة أن ما حدث كان نتيجة تقاطع مصالح اوك مع سلطة البعث، أو تعبيرًا عن تقارب سياسي معها.
أما الرواية الثانية، فتذهب إلى أبعد من ذلك، إذ ترى أن الحزب الشيوعي العراقي (حشع) إضافة لما ذكر أعلاه، فهو نفسه يتحمل جزءًا من المسؤولية، نتيجة خياراته السياسية وتحالفاته وأخطائه العسكرية، فضلًا غفلته وعن غياب التقدير الكافي لحجم المخاطر، وهو ما ساهم في تعميق الخسائر.
في حين تقدم الرواية الثالثة قراءة مختلفة، إذ تضع الحدث في سياق الصراعات البنيوية داخل الحركة القومية الكردية نفسها، معتبرة أن ما جرى كان امتدادًا لاقتتال داخلي يرتبط بطبيعة تلك الحركة وتعقيداتها السياسية والعشائرية والعسكرية. ويجد هذا الطرح صداه في بعض المذكرات السياسية، ومنها مذكرات الفقيد كريم أحمد (عضو المكتب السياسي لحشع وقتها والقائد الفعلي له في كردستان)، التي نُشرت عام 2007 دون أن تثير ردودًا نقدية كافية.
غياب الوثائق... واستمرار الغموض
ورغم أهمية الحدث، لا تزال الوثائق الرسمية غائبة عن المشهد. فمنذ انتفاضة عام 1991 وسقوط النظام عام 2003، لم تظهر وثائق حاسمة من أرشيف النظام السابق أو أجهزته الأمنية توضح ما جرى أو تحسم الجدل بشأن علاقة النظام بهذه الاحداث وبالذات ب ( اوك).هذا الغياب يثير تساؤلات مشروعة: فحتى في حال عدم تورط النظام بشكل مباشر، فمن غير المنطقي أن يكون بعيدًا عن متابعة حدثاً بهذه الأهمية، خصوصًا أنه كان يخدم سياساته في تعميق الانقسام داخل الحركة الكردية وجرها للاقتتال الداخلي. غير ذلك فان تداعيات بشتاشان لم تقتصر على الشيوعيين، بل طالت أيضًا قوى كردية أخرى مثل الحزب الديمقراطي الكردستاني (البارتي) والحزب الاشتراكي الكردستاني (باسوك)، اللذين قدما بدورهما ضحايا وشهداء في سياق هذا الاقتتال.
أزمة رواية وذاكرة
المشكلة لا تكمن فقط في غياب الوثائق الرسمية، بل أيضًا في ضعف التوثيق الداخلي،حتى وثائق حشع واجتماعات قيادته ومحاضره والمعلومات التي توفرت وقتها وكل ما يمس هذا الامر لا تتوفر بما يسمح دراسة وتقيم ما حدث. في معظم الأحيان يجري تناول هذا الامر بالاستناد الى مذكرات بعض قياداته والتي كتبت في نهاية أعمارهم وعلى ضوء الذاكرة وفيها جوانب متناقضة مع بعضها وبالذات في معارك بشتاشان الثانية. لا توجد شهادات موثقة بشكل سليم.
كذلك فمعظم ما هو متوفر وبالذات من الانصار يستند أيضا إلى روايات شفوية ونقاشات ومواقف واستنتاجات سياسية بالأساس، خاصة فيما يتعلق بتفاصيل ويوميات تلك الاحداث وما رافقها في جانبها السياسي او العسكري.
هذا الواقع أفرز انقسامًا في المواقف: بين من يدعو إلى إدانة واضحة وصريحة، ومن يفضل الصمت أو التقليل من أهمية ما جرى، وهو ما ساهم في إبقاء القضية معلقة دون حسم. وفي هذا السياق، يبرز سؤال جوهري والذي سبق ان اثرته في ندوة بلا زحمة حول جريمة بشتاشان في 3 أيار 2026. هل جرى تسيس الموقف من الجريمة، سياسيًا وقانونيًا وأخلاقيًا، بما يتناسب مع حسابات لاحقة؟ وهل تم توظيف الرواية بدل البحث عن الحقيقة؟
هنا يبقى السؤال مفتوح؟ الى أي حد ان سرديتنا سليمة ودقيقة رغم كل هذا فان بشتاشانتبقى جريمة لا تغتفر ارتكبت بحق الأنصار الشيوعيين.
القيادة بين التقدير والمساءلة
النقاش حول بشتاشان يفتح أيضًا ملف قيادة الحزب الشيوعي آنذاك. فبينما يرى البعض أن انتقاد تلك القيادات يمس بتاريخ الشيوعيين ونضالهم، هذا الامر الذي لا يجرأ أي منصف وغيور على اثارة الغبار حوله. تشير وقائع لاحقة إلى إخفاقات واضحة، إن لم تكن أخطاء جسيمة. لا شك أن تلك القيادات تحملت مسؤولياتها في ظروف قاسية، وقدمت تضحيات كبيرة، شأنها شأن قواعد الحزب. لكن ذلك لا يلغي ضرورة إخضاع تجربتها للنقد، خاصة أنها كانت جزءًا من منظومة فكرية وتنظيمية أثبتت محدوديتها مع مرور الزمن. معظم هذه القيادات دفعت ثمناَ غالياَ خلال فترات من نضالها وبالذات بعد انتهاء التحالف مع البعث. في عرض لمعظم تلك القيادات سيجد أي متابع شهداء من أبنائهم وعوائلهم وغيرها من التضحيات الغالية التي دفعها الشيوعيين نتيجة مواقفهم المشرفة، لكن في نفس الوقت كانوا وكنا أيضا نتاج مرحلة ومنظومة معينة هي الان معروفة للكثير. الانتقادات والتصورات تشمل هذه المنظومة بالدرجة الأولى وكون هذه القيادات كانت العامل الفعال فيه وتتحمل المسؤولية الكاملة في ذلك. لقد اثبتت الأيام عجز هذه المنظومة واليات التفكير والممارسة السياسية غير ان هناك ولحد الان من يرى عكس ذلك. طبعا هذا الامر لا يشمل الشخصيات التي أظهرت الأيام خيانتها وتؤاطها مع السلطة او جهات أخرى. في بشاشتان تواجدت كلا الشخصيتين. معروف مثلا ان أحد ابرز الشخصيات وشخصيات اخرى والتي دفعت لزجنا في القتال اوانها كانت متحمسة له، اظهرت الاحداث اللاحقة العديد من علامات الاستفهام حولها وعن علاقات بعضها مع السلطة او اطراف أخرى. غير ذلك كان هناك العديد من الملاحظات والاعتراضات حول مكانة وكفاءة من كان في القمة او المفاصل الوسطية.
الأكثر إثارة للجدل أن بعض القيادات التي أقرت بمسؤوليتها عن أخطاء بشتاشان، استمرت في مواقعها، والاغرب من ذلك وهذا ما يشكل قمة هذه التراجيديا الساذجة ان يعاد انتخابه هو وغيره في مؤتمر حشع اللاحق 1985 من قبل مندوبي المؤتمر!!.في مشهد يطرح تساؤلات عميقة حول آليات إدارة الصراعات داخل الحزب.
دروس لم تُستوعب
كشفت بشتاشان، بشقيها الأول والثاني، عن هشاشة في البنية التنظيمية والسياسية، وعن خلل في قراءة الواقع واتخاذ القرار. ومع ذلك، يبدو أن الدروس لم تُستوعب كما ينبغي، فبدل أن تكون تلك الأحداث محطة مراجعة، استمرت الذهنية ذاتها في إدارة الصراع، ما ساهم لاحقًا في تفاقم كوارث أخرى، كان أبرزها جريمة الأنفال التي شكلت ذروة المأساة.
أسئلة مفتوحة
لقد كانت بشتاشان الأولى والثانية هزيمة الحقت بنا ولكنها كشفت هشاشة منظومة عملنا ( المقدسة والتي لا يزال البعض يعتبرها كذلك بسب الدوغما او لأسباب شخصية) وعلى كل المستويات. لقد بقينا نسير في ذيل الاحداث ونظرنا باستعلاء ومكابرة اتجاه أي دعوة او مناشدة لتصحيح ما يمكن. لقد دفع عدد غير قليل من الرفاق ثمن هذه الرؤية والطريقة التي جوبهت بها بحيث شكلت وصمة عار في تاريخنا ومازقاً نفسياً واخلاقياً للبعض الذي تورط في طريقة التصدي لها، رغم ان البعض بقي وبدم بارد يحمل أعباء واخطاء تلك الايام وغيرها وبضمير غائب.
كان يمكن تفادي ما حدث في بشتاشان 1983 لكن المشكلة اللاحقة والاعمق تكمن في انه لم نتعلم من تلك الاحداث ما يستلزم في نضالنا اللاحق. كل ذلك وغيره هيئ الأوضاع بعد سنوات لجريمة الانفال والتي كانت اشد قسوة ومرارة وخسارة. بعد كل هذه السنوات، لا تزال بشتاشان قضية بلا حسم، وسردية بلا اتفاق. وبين تضارب الروايات وغياب الوثائق وضعف التوثيق، يبقى السؤال معلقًا: إلى أي مدى نملك رواية دقيقة عما جرى؟
الأكيد فقط أن ما حدث لم يكن حادثة عابرة، بل جريمة عميقة الأثر، لا يمكن تجاوزها دون مواجهة صريحة مع الماضي، قائمة على التوثيق والمساءلة، لا على الصمت أو التبرير.
