
العراق بين الدولة واللادولة
يونس متي
منذ عام 2003 ، لم يستطع العراق بناء دولة تمتلك القرار السيادي الموحد ، بل تشكل نظام سياسي قائم على توازنات معقدة بين قوى داخلية وخارجية ، حتى أصبحت الدولة نفسها تعاني من ازدواجية السلطة والسلاح. فإلى جانب المؤسسات الرسمية ، ظهرت قوى مسلحة تمتلك النفوذ العسكري والسياسي الواسع ، وتحولت بمرور الزمن إلى جزء أساسي من معادلة الحكم ، الأمر الذي جعل مفهوم (حصر السلاح بيد الدولة) يبدو أقرب إلى الشعار منه إلى الواقع.
وخلال فترات التوتر بين الولايات المتحدة وإيران ، برز هذا التناقض بوضوح . فقد انخرطت فصائل عراقية مسلحة في الصراع الإقليمي بشكل مباشر عبر استهداف قواعد ومواقع داخل العراق وخارجه ، وإطلاق صواريخ وطائرات مسيرة باتجاه أهداف مرتبطة بالمصالح الأمريكية أو بدول الخليج . كل ذلك جرى خارج إطار القرار الرسمي العراقي، وكأن قرار الحرب والسلم لم يعد حكرا بيد الدولة ومؤسساتها الدستورية.
المفارقة الأكثر تعقيدا أن هذه الفصائل ليست مجرد جماعات مسلحة تعمل في الظل ، بل هي تمتلك تمثيل سياسي واسع داخل البرلمان والحكومة ، وتشارك في رسم السياسات العامة ، وفي الوقت نفسه تحتفظ بقوتها العسكرية المستقلة . وهنا تظهر أزمة الدولة العراقية بأوضح صورها ، فالسلاح المنفلت ليس خارج الدولة فقط ، بل أصبح جزءاً من بنيتها السياسية نفسها.
هذا الواقع جعل العراق ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية والدولية. فكلما تصاعد التوتر بين إيران وإسرائيل أو بين طهران وواشنطن ، انعكس ذلك مباشرة على الداخل العراقي ، سواء عبر الضربات الجوية ، أو العمليات الأمنية ، أو نشاط الجماعات المسلحة . وقد كشفت الحوادث الأخيرة في الصحراء العراقية ، وما رافقها من حديث عن وجود قوة أجنبية وتحرك عسكري غير منسق مع بغداد ، حجم الهشاشة الأمنية التي يعانيها البلد ، ومدى ضعف السيطرة الفعلية للدولة على كامل أراضيها.
ورغم تضارب الروايات بشأن طبيعة تلك الحوادث ، فإن مجرد وقوع اشتباكات بين قوة عراقية وجهة أجنبية داخل العمق العراقي يكشف حجم الأزمة السيادية التي يعيشها العراق . فالدولة التي لا تمتلك السيطرة الكاملة على قرارها الأمني ، ولا تستطيع منع القوى الداخلية أو الخارجية من استخدام أراضيها في الصراعات ، تبقى دولة منقوصة السيادة مهما امتلكت من مؤسسات شكلية.
لكن المفارقة الأكثر إثارة أن القوى والفصائل التي ترفع شعارات (السيادة) و(المقاومة) ورفض التدخل الخارجي ، تبدو في الوقت نفسه منخرطة في صراعات حادة على تقاسم الوزارات والمؤسسات والمناصب داخل الدولة. ففي الوقت الذي تعجز فيه الدولة عن احتكار قرار الحرب والسلم ، تنشغل القوى السياسية والفصائلية بمعارك النفوذ حول وزارات الداخلية والدفاع والنفط وغيرها من المؤسسات السيادية.
فوزارة الداخلية لم يعد ينظر إليها كمؤسسة أمنية وطنية فحسب ، بل باعتبارها مركز قوة يتيح النفوذ على الأجهزة الأمنية والإدارية. وكذلك الحال بالنسبة لوزارة الدفاع أو النفط ، حيث تتحول هذه المؤسسات إلى ساحات صراع بين الكتل والفصائل ضمن منطق المحاصصة وتقاسم النفوذ والثروة ، لا ضمن مشروع وطني لبناء دولة قوية ومؤسسات مستقلة.
ولم يتوقف الأمر عند حدود تقاسم الوزارات ، بل امتد إلى اختلاق مناصب وهيئات ودرجات خاصة لا حاجة فعلية لها ، تُستحدث أحياناً كجزء من صفقات الترضية السياسية وتقاسم المكاسب بين القوى المتنفذة . فتحولت أجزاء واسعة من الدولة إلى بنية مترهلة تُدار بعقلية الغنيمة ، حيث تُوزع المواقع والمناصب وفق ميزان الولاءات والمحاصصة ، لا وفق الكفاءة أو الحاجة الإدارية الحقيقية.
وهكذا تتضخم البيروقراطية ، وتتوسع شبكات الفساد والامتيازات، فيما تتراجع قدرة الدولة على أداء وظائفها الأساسية في الأمن والخدمات والتنمية. والمفارقة المؤلمة أن القوى التي تتحدث عن (حماية الوطن) و(الدفاع عن السيادة) تنخرط في الوقت نفسه في ممارسات تستنزف الدولة من الداخل ، وتُضعف مؤسساتها ، وتُكرس اقتصاد الريع والفساد السياسي.
إن هذا التناقض يكشف أن الصراع القائم في العراق لم يعد صراعاً لبناء دولة قوية ، بل أصبح في كثير من جوانبه صراع على إدارة النفوذ داخل دولة ضعيفة ومجزأة الإرادة. ولذلك تبقى مؤسسات الدولة هشة ، ويبقى القرار الوطني موزع بين مراكز قوى متعددة ، فيما يتحمل المجتمع العراقي نتائج الانقسام والتبعية والفساد وانعدام الاستقرار.
وفي ظل هذا الواقع ، تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة تعريف مفهوم السيادة والدولة في العراق ، على أساس احتكار المؤسسات الرسمية وحدها للسلاح والقرار الأمني ، وإبعاد البلاد عن سياسة المحاور والصراعات الإقليمية. فبدون دولة تمتلك قرارها المستقل ، سيظل العراق ساحة مفتوحة للتدخلات الخارجية ولصراع الإرادات الداخلية ، وسيبقى الاستقرار السياسي والأمني هشا وعرضة للاهتزاز في أي لحظة.
