للذهاب الى صفحة الكاتب   

الحرب الدائرة بالمنظور اللاارضوي /4

عبد الامير الركابي

 

 

 حربان خاضتهما الكيانيه المفقسه خارج رحم التاريخ في الشرق الاوسط تحت  لافتة "اسلحة الدمار الشامل"، الاولى كذبة وتلفيق لااساس له والثانيه كاحتمال، وفي الحالتين كان الهدف الفعلي مغيبا كليا، ومخطط الشرق الاوسط كمرتكز حماية ضد روسيا والصين وحماية لاوربا مع نوع كيانيه معممة عالميا باسم "الابراهيميه المفبركة" ارتكازا الى التسّيد الاسرائيلي، وتفاعل "دول الابار" بالضد من دول الانهار التاريخيه، الاصل ومولد الرؤية الابراهيمه خاصية هذا المكان التعبيرية الكونيه فوق القومية الاوربيه.

 

 ذلك ما قد جعل اقدام صدام حسين على احتلال الكويت يتحول الى جنون امريكي، وقد ولد عقبة كبرى امام امكان تحقق مشروع امريكا الذي تجلى في حينه ب "الشرق الاوسط الكبير" على انقاض كيانيه هي بذاتها ريعيه نفطية من نوع اخر غير اباري، بل "نهري" مضاد ل "الابارية"، وهو المزدوج كينونة مجتمعية، مايجعل الريعيه فيه اداة اصطراع داخلي محفزة الى اقصى حد ممكن للاصطراعية الذاتيه، ويعظم وتائرها وانعكاساتها الاقليميه، وفي المقدمه محركات ومتغيرات الاوضاع في ايران، وما عرفته من ثورة انطلقت من "النجف"، وما تبعها من حرب  هي الاطول بين بلدين بعد الحرب العالمية الثانيه، تلك التي اسقطت فعاليه النفط السلطوية الاصطراعية عراقيا بسبب تكلفة الحرب الباهضة، ما قد عاد مغيرا وتيرة الاصطراع المجتمعي، واودى بالحكم الى الاختلال الجنوني وقد صار وقتها "حكم بلا ركيزه اساس"، ما قد ولد حال من الاضطراب غير المسبوق، انعكس على مجموعه "دول الابار المحاذية"، وهو ما حصل بالفعل مع احتلال الكويت، ليستثير جنونا مقابلا لدى راعي مشروع الشرق الاوسط المصد والنموذج.

 

  وقتها صرح شخص مثل كيسنجر قائلا: "مشكلتنا نحن الغربيون ليست مع صدام بل مع العراق، هذا البلد القوي ربما ياتي احد بعد صدام ويقوده باتجاه مضاد لمصالحنا في الشرق الاوسط وعليه يجب تحطيم العراق" بمعنى ان ما قد اقدمت عليه الولايات المتحدة في حينه ليس حربا معتادة القصد منها تحطيم قدرات الاخر العسكريه، بل ازاله البلد المقصود وحذفه من الخارطة كوجود، بحسب ممكنات الادراك المتاحة لجهة ارضوية من حيث الجوهر، مع تخلخل رؤاها وتذبذبها العاجز عن رؤية حقيقة وخلفيات ماهي بصدد الخوض في غماره، بالذات وخصوصا في مكان مثل الشرق الاوسط بكينونته غير المماط عنها اللثام، وبدئيته التاريخيه المجتمعية ومنطوياتها الكبرى المغفله، المتعدية للقدرات المتاحة للعقل البشري وماهو مؤهل لادراكه من الحقيقة المجتمعية، خصوصا في ارض مابين النهرين حيث اعلى المجتمعات البشريه ديناميات ازدواجية اصطراعية، هي المنطوى البدئي على الغرضية والهدف المودع في الظاهرة المجتمعية، والتعبيرية الكونية المحققة للازدواج المجتمعي خارج ارضها، وكلها قضايا خارج الممكنات العقلية المتاحة استيعابا.

 

 ومرة اخرى يسقط السؤال فوق الضروري الواجب طرحه من الاعتبار، فلا احد عربيا عراقيا ولا عالميا، تساءل يوما يوما: لماذا وجدت الظاهرة النفطية الريعية لدرجة توليد نمطية "دول الابار"، وبمقدمها الجزيرة العربيه المحورة ريعيا قبليا من نمطيتها التاريخيه "كمجتمع لا دولة احترابيه تاريخيه" واسلام ايديلوجي سلطوي استعادي، والاهم لماذا لم تستقل الدول المذكورة المتشكله اليوم بظل الغلبة الغربية، من دون حضور نمطية نفطية اخرى نهرية ازدواجيه اصل واساس بدئي،  اصطراعي مجتمعي وراعي بامتياز الدور الاول للريعية النفطية فيه كما يمكن تصورها بداهة، دخولها كعنصر ضرورة ضمن وسائل الاصطراع الارضوي اللااارضوي مجتمعيا.

 

  ومرة اخرى لابد من التنويه ب "دياكتيك الطبيعه والمجتمع" المغفل، غير الممكن ادراك اشكال تجسده كينونة، بالاخص اذا قصدنا العقول القاصرة والاتباعية  التبسيطية في طورها الحديث الاول المرهون للنموذجية الغربيه وتوهميتها، بالاخص وقد وجد لها اساس في المنطقة يمكن ان تعتمده نواة لاتباعيتها الغربيه، اساسها بلد نهري اخر مهم مع عامل اخر مساعد من المجال الوسط الشامي، اذ اعتبرت مصر نموذجية لاحتمالية التحول المعاصر على الطريقة الاوربيه، وما تمخض عن الانقلاب الالي عند بدايته الاولى بين ظهرانيها، وهو ما تمثل بظاهرة الالباني محمد علي نموذجيته العليا.

 

 فكيف كان الغرب الحديث ينظر من ناحيته الى الشرق المتوسطي كالحاقية اقصادية ومفهومية، اهم لحظاتها ذهاب الانكليز الى الكويت لاستجلاب ال سعود المنفيين هناك بعد اكتشاف النفط وتوفر القاعدة والاساس الالحاقي العضوي بالغرب وتوهميته الكبرى، لتغدو "الوهابية" من وقتها اساسا وجوديا وكيانيا فريدا لحكم القبيله في مجتمع اللادولة المحاربة الجزيري الذي لايحكم، ومن هنا تبدا عملية بناء الشرق الاوسط الحديث الراهن، مع قيام "جبهة الابار" دولا موصولة عضويا اقتصاديا بالغرب الاوربي، ثم الامريكي، من دون نسيان الجانب الاخر الهام الاستعادي الابراهيمي المزور على حساب الابراهيمة التاريخية النهرية، ممثلا بالكيانيه الصهيوينه ركيزه الكيانيه الشرق متوسطية الحديثة بالمنظور الغربي الامريكي.

 

  هنا يوجد الشرق الاوسط العربي، خصوصا الحديث، بالنفط الريعي، لا بالصناعة والبرجوازية ودول التحرر، والصيغه الانقلابيه التي تقابل الاليه الاوربية شرق متوسطيا هي النفط ومكانته في الهيكلية الراسمالية العالمية، وهو مشكل النظم والكيانيه، الامر الفريد قطعا على المستوى العالمي، بما يجعل من تاريخ المنطقة تاريخا انتقاليا من " دول الانهار" الى "دول الابار" ومجتمعاتها التي من دون تاريخ، وهو ماقد صار في النصف قرن الاخير انتقالية ذات حضور عالمي مباشر، تضطلع في تشكيله الولايات المتحده بناء على حكم بنيتها الناقصة، وديناميات التحول الالي التكنولوجي، وقرب حضور مفعول التكنولوجية مافوق الجسدية الارضوية، ومابدأ يترتب على مثل هذا الانتقال الفاصل  وينجم عنه من اختلال بنيوي شامل.

 

  وقد يكون من باب الصدفه او العبقرية الديالكتيكيه التاريخيه، ان توجد بين الظاهرتين المشار لهما، اخرى ثالثة هي حالة ( النهرية/ الريعيه)، تقوم في الموضع البدئي الاول، ومحل اللاارضوية والازدواج المقابل والمضاهي للانقلابيه الغربيه، والمتشكل المنبعث منذ القرن السادس عشر فترات تبدا قبلية ثم انتظارية مستعادة نجفية، مع اكتشاف القارة الامريكيه وقبل بزوغ الاله في الغرب، في دورة ثالثة راهنه بعد الدورة الاولى السومرية البابلية الابراهيمه، والثانيه العباسية القرمطية الانتظارية، هي دورة الانقلاب العقلي المتوافقه مع مجريات الانبثاق الالي وتحوراته الصاعدة، من اليدوية الارضوية الاوربية تباعا عبر مجطات الالية المصنعية، ثم التكنولوجيا الانتاجية الراهنه، الى التكنولوجيا العليا العقلية الاخذه بالتبلور من هنا فصاعدا، حين تكتمل اسباب الانقلاب العقلي اللاارضوي، وسائل مادية، ومستلزمات ادراكية، وهو مايستوجب اعادة قراءة للتاريخ الحديث، والعام ككل، بناء للسردية التحولية العظمى المقررة مسبقا للكائن البشري والمجتمعات، من الحيوانيه الى "الانسان/ العقل"، عبر مرحلة "الانسايوان" المعاشة الى الان، والمشارفه على الزوال.

  ـ يتبع ـ