للذهاب الى صفحة الكاتب   

السيد هادي كمال الدين

مسيرة فكرية واثقة في خدمة الدين والمجتمع

محمد علي محيي الدين

 

يُعد السيد هادي كمال الدين من أبرز الشخصيات الدينية والاجتماعية التي عرفها العراق في القرن العشرين، وقد ترك أثرًا فكريًا وأدبيًا وروحيًا لا يُنسى. وُلد عام 1905 في مدينة الحلة، ونشأ في بيئة دينية عامرة بالعلم والمعرفة، وتربى في كنف والده السيد حمد آل كمال الدين، الذي غرس فيه منذ صغره حبّ العلم وطلب المعرفة، فكان لهذه البيئة أثرها العميق في تشكيل شخصيته وإيمانه برسالة الدين في خدمة الناس.

 

ينحدر السيد هادي من أسرة علوية عريقة، حيث يتصل نسبه بالحسين ذي الدمعة بن زيد الشهيد بن الإمام زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، وهو نسب مفعم بالرمزية الدينية والتاريخية التي منحته حضورًا روحيًا واجتماعيًا كبيرًا.

 

بعد أن أنهى دراسته الأولى في الحلة، ارتحل السيد هادي إلى النجف الأشرف، لينهل من معين الحوزة العلمية، فدرس على كبار العلماء مثل الشيخ هادي كاشف الغطاء، والشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، والشيخ محمد طه النجف، متعمقًا في الفقه والأصول، متشربًا أساليب البحث العلمي الرصين ومتمكنًا من أدوات الاجتهاد والاجتهاد المقارن.

 

تميّز السيد هادي كمال الدين بعقلية منفتحة وفكر نقدي يرفض الجمود، فكان من الداعين إلى تجديد الفكر الإسلامي بما يتماشى مع متغيرات العصر وتحدياته، دون أن يتخلى عن الثوابت الشرعية. وقد سعى، من خلال خطبه ومقالاته ومؤلفاته، إلى تقديم قراءة عصرية للنصوص الدينية، تقرّب الدين من واقع الناس وتربطه بحياتهم اليومية. رأى في الدين فلسفة حياة، لا مجموعة من الطقوس المعزولة عن قضايا المجتمع.

 

وقد كانت خطبه تتسم بالعمق الفلسفي، والربط الذكي بين تعاليم الإسلام وقيم العدالة والكرامة والحرية. تناول فيها مواضيع حساسة كالعدالة الاجتماعية، وحقوق المرأة، ومكافحة الفقر، والتعليم، وغيرها من القضايا التي تمس جوهر حياة الفرد والمجتمع.

 

لم يكن السيد هادي رجل دين فحسب، بل كان أديبًا وناقدًا وشاعرًا من الطراز الرفيع، عضوا في جمعية المؤلفين والكتاب العراقيين، ومن المكثرين في الكتابة نثرًا وشعرًا. تنوعت مؤلفاته بين الأدب واللغة والفقه والفكر الاجتماعي، ومنها: أزاهير شتى، بغية الأديب، أرجوزة في غريب اللغة، التخميس والتشطير في أصحاب آية التطهير (في جزأين) ، جناح النجاح، الحرب بين الفضيلة والرذيلة، شظايا قنبلة، فقهاء الفيحاء وتطور الحركة الفكرية في الحلة، لحساب من هذه الخيانة؟، وسيلة التفهم لمسوغات التيمم.

 

كما ترك خلفه العديد من المخطوطات التي لم تُنشر بعد، ويحتفظ بها أحد أبنائه الذي يعمل على تهيئتها للطبع والنشر، وهي تمثل ثروة فكرية وأدبية مهمة تنتظر من يحييها ويقدمها للأجيال.

 

لم يكتفِ السيد هادي بالتأليف والخطابة، بل بادر إلى تأسيس مؤسسات ثقافية ودينية، منها المدرسة الكمالية للعلوم الدينية في الحلة سنة 1944، والتي شكلت مركزًا لتخريج العديد من طلبة العلم. كما أصدر مجلة التوحيد عام 1958، ثم جريدة التوحيد، فـجريدة الحقيقة، ليؤكد دوره التنويري في نشر الوعي الديني والثقافي.

 

واجه السيد هادي كمال الدين تحديات فكرية وسياسية واجتماعية في مراحل مختلفة من حياته، ولم يسلم من الانتقاد سواء من بعض الأوساط الدينية التي لم تستسغ أفكاره، أو من قوى سياسية لم تتفق مع توجهاته الاجتماعية. لا يثبت على رأي وسرعان ما يغيره الى رأي آخر وربما روج لرأي ثم ينقلب عليه وهو مزاجي في مواقفه الفكرية والاجتماعية.

 

ورغم ذلك كان السيد هادي كمال الدين رمزًا من رموز النهضة الفكرية والدينية في العراق، وأحد الشخصيات التي جمعت بين العلم والأدب، وبين الفقه والفكر الاجتماعي. حمل همّ الناس في قلبه وقلمه، وسعى إلى أن يكون الدين رافعة للعدالة والكرامة والوعي. ترك تراثًا غنيًا لا يزال ينتظر من يعيد قراءته وتقديمه للأجيال، وهو بحق مثال للعالم العامل، والمفكر المسؤول، الذي لم يفصل بين المعرفة وخدمة المجتمع.

 

رحم الله السيد هادي كمال الدين، فقد عاش عالمًا نزيهًا، ومات تاركًا بصمات لا تُنسى في الفكر والدين والأدب.