للذهاب الى صفحة الكاتب   

يوميات حسين الاعظمي (1444)

ذكريات مبكرة

 

 

منذ بداية عقد سبعينيات القرن العشرين، تم انشاء عدة قنوات تلفزيونية في بعض محافظات الشمال والجنوب والوسط من بلدنا العراق. وكانت هذه القنوات تعتمد في بثها على بعض البرامج من تلفزيون بغداد الرئيسي وبرامج اخرى محلية من نتاجات المحافظات. ومعظم هذه التسجيلات والبرامج كانت تسجل في بغداد وترسل لبثها في قنوات المحافظات. ومن هذه البرامج نتاجات الطلبة بشتى المواهب والقدرات الطلابية.

في هذه المرحلة كنتُ طالبا في معهد الدراسات الموسيقية. وقدِّر لي أن أدخل الى دار الاذاعة والتلفزيون لأول مرة مطلع عام 1974. ضمن برنامج منوع يقدم نتاجات الطلبة في المعاهد الفنية. وكانت معي فرقة الجالغي البغدادي(هامش1) المكونة من زملائي الطلبة في المعهد. التي تكاد تكون أول فرقة جالغي بغدادي يخرجها المعهد من طلبته، او من اوائل طلبة المعهد في العزف على آلتيْ الجوزة والسنطور. وقد سجلت في هذا البرنامج المنوع مقام البنجكاه(سلّمه سوزناك الرست).وكل اعضاء فرقة الجالغي التي رافقتني في الغناء كانوا اقدم مني في دخولهم الى المعهد كطلبة فيه. فهم من الدورة الاولى والثانية والثالثة وانا من الدورة الرابعة وهم.

1 – داخل احمد عران – عازف على آلة الجوزة

2 – محمد زكي عبد – عازف على آلة السنطور

3 – سعدي حميد السعدي – عازف على آلة الرق (الدف)

4 – مهدي جيجان – عازف على آلة الطبلة (الدربوكة)

       وفي هذه المشاركة سجلت مقام البنجكاه بقصيدة تبدو غير مغناة حتى ذلك الحين لعنترة ابن شداد، جاءني بها استاذي المرحوم عازف الجوزة الشهير شعوبي ابراهيم. والقصيدة هي.

 

دُمُوعٌ فِي الخُـــــــــــــــــدُودِ لَهَا مَسِيـلُ    وَعَــــــــــــيـنٌ نَوْمُهَـا أَبَـداً قَــــــــــلِيـلُ

وَصَـبٌّ لا يَــــــــــــقِـرُّ لَـهُ قَـــــــــــــرَارٌ     وَلا يَسْلُو وَلَـــــــــوْ طَـالَ الـــــــــرَّحِيـلُ

فَــــــــــــكَـمْ أَبْـــــــــــكِـي بِإبْـعَـادٍ  وَبَيْـنٍ     وَتَشْجِينِي الـــــــــــمَنَازِلُ وَالطُّــــــلُـولُ

وَكَـــــــــــــمْ أَبْكِي عَــــلَى إلْفٍ شَجَانِـي   وَمَا يُغَـــــــــــنِّي البُكَاءُ وَلا العَــــــوِيـلُ

تَلاقَــــــــــــــيْنَا فَمَـا أَطْــــــفَـى التـَّلاقِـي    لَهِيبـاً لا وَلا بَـــــــــــــــرَدَ الغَــــــــلِـيـلُ

طَلَبْتُ مِــــــنَ الزَّمَـــــانِ صَفَاءَ عَـــيْشٍ  وَحَسْبُكَ قَـــــــــدْرُ مَا يُعْـــــــطِي البَخِيلُ

 

مع اغنية من ألحان الشيخ عثمان الموصلي وهي من الاشغال الدينية.

 

اخـــــــــــتفت شمس الضحى    مع بـــــــــدر التمــام       أمـــان أمـــان

                    لما حـــــــــبيبي       كشف اللـــــــــثام

                                       ***

يا صــــــــائد القـــــــلب في     شـــــرك العــــــــيون        أمــان أمـــان

          جــــــــد لــــــي بـــــوصل      مــــــــنك يـــــا رشا

          جـــــــمر اشتيـــــــــــاقي      أحــــــــرق الــــحشا

                                       ***

يـــــــــــا بـــــــــدر يا منيتي    يا كــــــــل الغــــــــرام       أمـــان  أمـــان

           جــــــــد لــــــي بـــــوصل      مــــــــنك يـــــا رشا

          جـــــــمر اشتيـــــــــــاقي      أحــــــــرق الــــحشا

                                      ***

اخـــــــــــتفت شمس الضحى    مع بـــــــــدر التمام       أمـــان أمـــان

                    لما حـــــــــبيبي       كشف اللـــــــــثام

 

هذا وقد كان هذا التسجيل لمقام البنجكاه من اخراج المخرج التلفزيوني المعروف سمير حنا زوج الروائية المعروفة انعام كججي. ولكن هذا التسجيل لم يعرض في تلفزيون بغداد، وانما عرض في قنوات المحافظات مرارا، واخبار عرضه في القنوات كانت تأتيني من الاصدقاء ولكن لم يقدر لي ان اشاهده حتى اليوم، لان قنوات المحافظات كانت محلية وليس لها القدرة على ظهورها لمسافة جغرافية بعيدة نسبيا..!

 

مقام المدمي

بعد تسجيل مقام البنجكاه بفترة قصيرة، دعيتُ من قبل الفنان الكبير الممثل الراحل راسم الجميلي لاشارك في تمثيليته التي ينوي تصويرها(جلسة سمر) التي أخذت صدى واسعاً بين المشاهدين بعد تصويرها وعرضها في سهرة من سهرات تلفزيون الجمهورية العراقية هذه المرة..! وكانت من إخراج المخرج المعروف نبيل يوسف. وممن شارك في التمثيل في هذه التمثيلية مع الفنان راسم الجميلي، الممثل حامد الاطرقجي والممثل صادق علي شاهين وغيرهما. وظهرتُ أنا شاباً سيطر عليه الوجد والهيام، متكئا على صخرة في البراري هائماً على وجهي وقد طالتْ لحيتي، بعد أن رفض أهل حبيبتي التي أريدها زواجي من إبنتهم، وأنا أغني مع نفسي مقام المدمي(هامش2) بمصاحبة عازف القانون علاء الدين عبد العزيز السماوي، وملا علي حمد عازفاً على آلة الكمان حيث لم يظهرا على الشاشة، فقط صوت الموسيقى. ونظرا لنجاح التمثيلية وصداها الواسع،ظل الفنان راسم الجميلي طيلة هذه السنين، يقول لي كلما نلتقي بالمصادفة أو في عمل ما(كصتك خير عليّ) ويقصد ان جبيني خير عليه، ويرغب أن تتاح فرصة أخرى للعمل معاً في تمثيلية أو غير ذلك. على كل حال، كان مقام المدمي بهذا الزهيري.

 

يــــا صاح فعـل الدهـر فــــــتان فــــاتنة

مـاله وفـــا لا صفة كـل وقـــت فــــاتنـة      

لتــــــآمنه لوزرعــــــــلك ورد فــــــاتنة    

      طيب ازرعـت واحصدت اثمار زرعي صبر

      خـــــــان الوفـــا والعهد خــــــله عليّ صبر

      ساءلت اهل العـرف ما الـراي قـالوا صبر

قلت الصبر ويـــــــــن والايام فـــــــاتنة

 

والى حلقة اخرى ان شاء الله.

 

هوامش

 - الجالغي البغدادي Al-Chalghi al-Baghdadi: كلمة الچالغي مفردة تركية الاصل ومعناها الجماعة او التخت الموسيقي، واصلها (چالغي طقمسي) والطقمسي تعني النوادي الليلية.

 - مقام المدمي: من المقامات العراقية ذات المسحة الحزينة المعبرة عن شجن جميل، وسلّمه من سلّم مقام الحجاز.

 

 

صورة واحدة / حسين الاعظمي في يسار الصورة وهو يغني في المتحف البغدادي عام 1973. بجانبه محمد العاشقثم ابراهيم الخشالي وآخرين.