
هل أسهم التواصل الاجتماعي في الوعي ثقافيًا؟
صالح مهدي محمد
التواصل الاجتماعي اليوم يشبه مدينة كبيرة بلا خرائط، مليئة بالحركة والصخب، لكنها غالبًا بلا مسار واضح للوعي الثقافي. فالواقع يشير إلى أن الانتشار الهائل لهذه المنصات لم يُفضِ إلى ظهور مجتمع متماسك ثقافيًا، بل صنع بيئة غالبًا ما تغذي الفراغ بدلًا من أن تعالجه.
ان معظم المتابعين على فيسبوك، تويتر، وإنستغرام يفضلون المنشورات القصيرة، الجذابة بصريًا، السطرية في المحتوى، حتى لو كانت غير مكتملة المعنى. مقالات طويلة أو تحليلات ثقافية عميقة غالبًا ما تمر دون أن يُلاحظها أحد، بينما مقطع فيديو قصير أو صورة ساخرة تحصد آلاف المشاركات والتعليقات في دقائق. هذا يعكس طبيعة استهلاك المعلومات: سطحي، يكتفي بالقشور، ويبتعد عن التفكير النقدي الذي يوسع الوعي.
وعلى سبيل المثال، حين ينتشر خبر ثقافي أو علمي على تويتر في سلسلة تغريدات، نجد كثيرين يكتفون بقراءة العنوان أو السطر الأول فقط، دون متابعة التفاصيل التي تمنحهم فهمًا أعمق. وفي المقابل، فإن منشورات "الميمات" والفيديوهات القصيرة تُحقق حضورًا واسعًا، لكنها نادرًا ما ترفع مستوى الثقافة. بمعنى آخر، المحتوى السطحي يربح السباق دائمًا، والمحتوى الجاد غالبًا يخسر أمام سرعة الانتباه القصيرة.
إضافة إلى ذلك، يعتمد الكثير من المستخدمين على التواصل الاجتماعي كمهرب من الفراغ، لكن هذه الهروبة غالبًا غير مثمرة. إذ تصبح المنصات معالجة للفراغ بالفراغ، كمن يحاول معالجة مرض بمزيد من المرض. الوعي الثقافي لا يُبنى بالفراغ أو التسلية، بل بالقراءة المتأنية، النقاش العميق، واستكشاف المعلومات في سياقها الكامل.
مع ذلك، يمكن للتواصل الاجتماعي أن يكون أداة فعّالة للوعي الثقافي، إذا توفرت شروط معينة:
المحتوى المعمق والمنظم: مثل المقالات الطويلة، الحوارات الفكرية، البودكاست الثقافي.
التفاعل النقدي: أي تشجيع المتابع على التعليق بأسئلة، مشاركة وجهات نظر، وربط المعلومات بسياقاتها.
اختيار المنصات بعناية: بعض المنصات مثل، مدونات متخصصة، أو قنوات يوتيوب التعليمية، أثبتت أنها أكثر قدرة على خلق محتوى غنيّ وفعّال من حيث الثقافة والمعرفة.
الى ذلك، أن التواصل الاجتماعي بحد ذاته ليس مسببًا لارتفاع الوعي الثقافي، لكنه أداة يمكن توجيهها لذلك، إذا تم استخدامه بوعي، بعيدًا عن الفراغ السطحي، وبجهد متعمد في البحث والقراءة والمناقشة. وإلا، سيبقى مجرد بحر من السطور القصيرة، يكتفي بالإثارة العابرة، ويترك العقل متعطشًا للتفكير العميق والمعرفة الحقيقية.
