
المشهد الحزبي – السياسي العربي عشية إنتخابات الكنيست الـ26
محمد السهلي
مدير المركز الفلسطيني للتوثيق والمعلومات- «ملف»
■ تمهيد
1- تحت مظلة البرنامج الوطني
2- متوالية الوحدة والإنقسام
3- ..على خط تشكيل الحكومات الإسرائيلية
4- 7 أكتوبر.. تداعيات واستحقاقات
5- في مواجهة التمييز والتهويد
6- الطريق إلى إنتخابات 2026
■ ثبت بالمراجع
17/5/2026
تمهيد
[تتابع هذه الدراسة حالة المشهد السياسي - الحزبي العربي في أراضي الـ48 عشية إنتخابات الكنيست السادسة والعشرين المفترض إجراؤها حتى نهاية تشرين الأول/أكتوبر القادم، وتلقي الضوء على المسار الذي قطعته مكونات هذا المشهد في محطات مفصلية سابقة، أوصلت الخريطة الحزبية العربية إلى ماهي عليه الآن. وتتميز الإنتخابات القادمة بأنها تأتي بعد وقوع تطورات نوعية منذ إجراء الإنتخابات السابقة على الصعيدين السياسي والأمني:]
■ فقد تشكلت في إسرائيل عقب إنتخابات الكنيست الـ25 ــــ 1/11/2022، حكومة يمين صهيوني متشدد وبنزعة فاشية برئاسة نتنياهو وشريكيه العنصريين، بتسلئيل سموتريتش، رئيس حزب «الصهيونية الدينية» المتطرف، وإيتمار بن غڤير، رئيس حزب «قوة يهودية» الأشد تطرفاً. وقد وضعت هذه الحكومة على رأس جدول أعمالها تنفيذ مشروع يتضمن آليات قانونية وخطوات ميدانية لتطبيق خطة أعدها سموتريتش، بعنوان: «خطة الحسم: مفتاح السلام بين النهر والبحر»، وهي خطة تنص على ضم الضفة الغربية بالكامل إلى إسرائيل، وحشر الفلسطينيين في جيوب سكانية.
وتسعى الحكومة الإسرائيلية من خلال تنفيذ هذا المخطط إلى إلحاق الهزيمة الكاملة بالمشروع الوطني الفلسطيني، ووضع المجتمع الدولي أمام واقع جديد يقطع الطريق على أية محاولة للبحث في حل شامل ومتوازن للصراع القائم بموجب قرارات الشرعية الدولية.
■ وفي مناطق الـ48، أقرت هذه الحكومة تكثيف وتسريع تهويد منطقة الجليل حيث نسبة الفلسطينيين «عالية جداً»، مع تقديم محفزات لليهود للسكن في تلك المنطقة وإقامة مستوطنات جديدة في الجليل، وتسهيل بيع أراضيه لليهود حصراً، في خطة متكاملة للتسريع بتهويده، بما يضعف الوجود الفلسطيني هناك، في محاولة لتحويل هذا الوجود – داخل مناطق الـ 48 – إلى تجمعات متناثرة، مقطعة الأوصال فيما بينها.
كما أقرت هذه الحكومة توسيع القانون الذي تم سنّه في العام 2007، والذي يمنع العرب من السكن في البلدات اليهودية الصغيرة، التي تضم 400 عائلة، كما اعتمدت سلسلة قرارات توسع دائرة التهويد في النقب، عبر إقامة 14 مستوطنة ومعها مدينة كبيرة، ومصادرة الأراضي التي تقوم عليها البلدات الفلسطينية.
■ وضع زلزال «طوفان الأقصى»، فلسطينيي الـ 48 وأحزابهم أمام تداعيات واستحقاقات غير مسبوقة، في ظل تباين حاد في تقييم هذا الحدث الجلل، والتعامل مع ما يجري في قطاع غزة على وقع حرب الإبادة التي حصدت عشرات آلاف الضحايا، والتي لم تنته فصولاً إلى اليوم. فمن جهة، فرضت عليهم إجراءات ينتمي معظمها إلى قوانين الطواريء، فوضعت تحركاتهم وتصريحاتهم وأفعالهم تحت مجهر المراقبة والتدقيق، ومن جهة أخرى، إستنفر المشرعون في الكنيست لإصدار القوانين العقابية ضدهم بدءاً من مساءلة النواب على مواقفهم وصولاً إلى إقرار قانون إعدام الأسرى العنصري.
على ذلك، تكرس معظم الجهد الحزبي والسياسي العربي ما بعد «الطوفان» في التعامل مع إستحقاقات هذا الحدث والحد من تداعياته «الإسرائيلية»، على مسار العمل العربي المشترك والحياة اليومية للجماهير العربية، التي باتت أكثر من أي وقت مضى وسط بحر متلاطم من الكراهية والحقد الأعمى والعنصرية■
(1)
تحت مظلة البرنامج الوطني الفلسطيني العام
■ شهد عقد السبعينيات من القرن العشرين تبلور البرنامج الوطني الفلسطيني في إطار منظمة التحرير الائتلافية، برنامج العودة وتقرير المصير والدولة المستقلة، الذي توج مرحلة نوعية من الكفاح بدأت مع إنطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة في الستينيات. وشكل هذا رافعة عززت مكانة المنظمة وأكسبها الإعتراف العربي والأممي بها ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني وقائدة لنضاله. وبذلك، تم الإنتصار على محاولات طمس الهوية الوطنية، وإلزام الشعب الفلسطيني بالتسليم بنتائج كارثتي النكبة والنكسة.
■ كان من الطبيعي أن تنعكس هذه التطورات على نضال الشعب الفلسطيني في أراضي الـ48، الذي قاوم المحاولات الصهيونية التي سعت لتفتيت نسيجه الوطني والإجتماعي ضمن مشروع إدامة تداعيات النكبة في حياته عبر مواصلة عمليات الإقتلاع والتضييق في إطار سياسية عنصرية منهجية. وكان الفلسطينيون في طرفي الأراضي المحتلة عامي 48 و67 عملياً في خندق واحد بمواجهة السياسات العدوانية والعنصرية والتوسعية، كما تجسد في يوم الأرض- 30/3/1976، وخلال الإنتفاضتين الكبيرتين الأولى والثانية: 1987-1994 و2000-2005، وقد سقط 13 شهيداً من فلسطينيي الـ48 خلال مسيرة تضامنية مع أشقائهم في الضفة والقطاع - 1/10/2000، في رابع أيام الإنتفاضة الثانية.
وقد عبرت هذه المحطات عن التقدم في توحيد ساحات النضال الوطني عبر مهام وطنية تنسجم والشروط الموضوعية والذاتية السائدة في كل ساحة من ساحات العمل، كما رسمها البرنامج المرحلي، برنامج العودة وتقرير المصير والدولة المستقلة.
■ أدت الأجواء التي نشرها مهندسو إتفاق أوسلو- 1993، إلى انتعاش الحديث عن قرب إنجاز «حل نهائي» للصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، وإغلاق دائرة الحقوق الوطنية الفلسطينية ضمن حل «قيام الدولة الفلسطينية» في الضفة الغربية وقطاع غزة، وأن هذا الحل سيفك الإرتباط «حكماً» ما بين ساحات العمل الوطني الفلسطيني بعد ترحيل المفاوضات المتصلة بقضية اللاجئين إلى مسار منفصل ومستقل. وعلى اعتبار أن مسار أوسلو برمته ممنوع من الإقتراب من قضايا تتصل بالشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة منذ 1948، فقد تُرك الفلسطينيون هناك وحدهم في مواجهة السيناريوهات التي جاءت بها «فلسفة» أوسلو والتي تضع هؤلاء خارج الإعتراف بهم وبحقوقهم كأقلية قومية وازنة، والتعامل معهم كمجموعة سكانية ليس مصيرها سوى الإندماج في محيطها الإسرائيلي والتعامل مع تاريخها في وطنها الذي تقيم فيه كألبوم صور وذاكرة معرضة للضياع، وتلتزم واجباتها في «دولتها»، إسرائيل وفق ما تقتضي عملية التأهيل المستحدثة المسماة بـ «الأسرلة» التي بات لها منظروها وخبراؤها.
■ ثم جاءت القوانين والإجراءات الإحتلالية، التي اتخذتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة لتعيد الأمور إلى نصابها وخاصة منذ قدوم نتنياهو، الذي أغلق باب تسوية أوسلو عند المكاسب الأمنية والإقتصادية التي حصدتها إسرائيل من وراء الإتفاق، ومن ثم توغل في التوسع الاستيطاني وصولاً إلى مشروع الضم ثم «الحسم»، وصعَّد سياسة التمييز العنصري عبر إقرار تعريف دولة إسرائيل، دولة قومية لليهود، بما في ذلك إسقاط المكانة الرسمية للغة العربية، تم التقدم نحو التأكيد أن «أرض فلسطين» هي «ملك للشعب اليهودي حصراً».
لقد عززت كل هذه العوامل القناعة لدى جماهير الـ48 بالخصوصية القومية التي حاولت الجهات الإسرائيلية تبديدها بمشروع الأسرلة، وتمسكت بالهوية الوطنية الفلسطينية وبالتالي أخذ نضالها أبعاده السياسية والفكرية الجذرية، وتمثل – على سبيل المثال - بشكل بارز في معركة «القدس/سيف القدس»- 2021، حين تحول الجليل والمثلث والنقب، والمدن المختلطة في إطار «إنتفاضة الكرامة» إلى ساحات للصدام بين الفلسطينيين والأجهزة الإسرائيلية، وصولاً إلى الفصل التام بين أحياء فلسطينية وأحياء يهودية، ما أكد مرة أخرى، فشل مشاريع الأسرلة والتهويد والتذويب، وتماسك الهوية الوطنية لأبناء شعبنا.
■ لكن المحطات التي تبدت فيها وحدة ساحات العمل الوطني الفلسطيني بقيت محدودة قياساً بحالة «الإفتراق» غير المعلنة في إيقاع النضال الوطني ومساره العام في كل من هذه الساحات، وهذا قطع الطريق على إمكانية «التساند» فيما بينها. والسبب في ذلك يعود إلى ضعف - والأصح ترهل - الإطار الجامع المعني بإدارة الشأن الفلسطيني العام، والذي من المفترض أن يكون مصدر رعاية وتوجيه وإسناد ودعم لعناوين العمل الوطني في كل ساحة من الساحات. والمؤسف أن هذا الترهل ترافق مع تغييب متعمد للبرنامج الوطني العام الذي من أجل تنفيذه تم تشكيل هذا الإطار.
كما أن العلاقات ما بين مكونات العمل الوطني في كل ساحة من الساحات، باتت في معظم الحالات ظرفية، يجمعها مؤقتاً الحدث الخطر الداهم، دون إرساء هذه العلاقات وفق منظور استراتيجي يدفع باتجاه تحقيق الأهداف المشتقة من البرنامج الوطني في كل ساحة. يضاف إلى ذلك، وبغياب المرجعية العامة المعنية، إنحياز كل مكون لرؤيته الخاصة، واستنكافه عن السعي لتكريس القواسم المشتركة مع المكونات الأخرى. وبالتالي، تفقد هذه المكونات قدرتها على التأثير كحالة جماعية موحدة ومؤثرة في محيطها، كما فعلت – على سبيل المثال - «القائمة المشتركة» في محيطيها العربي والإسرائيلي.
■ ما سبق يؤكد بالنسبة لمكونات المشهد العربي في أراضي الـ48 بالتحديد، أهمية وضرورة تطوير العمل السياسي والحزبي العربي، وتعميق مأسسته، وفق برنامج وطني عام تكفل خطوطه الرئيسية التقدم على طريق تأمين الحقوق الإجتماعية والإقتصادية المهدورة لفلسطينيي الـ48، بموازاة الدفاع عن الهوية الوطنية والمصالح العليا للشعب الفلسطيني في نضاله من أجل حق العودة والإستقلال■
(2)
متوالية الوحدة والإنقسام
■ منذ إنتخابات الكنيست الرابعة عشرة ــــــ 5/1996، بات المشهد الحزبي العربي في إسرائيل يتمتع بتعددية سياسية وأيديولوجية أمنت له إستقراراً ملحوظاً، وشهدت تلك الإنتخابات بداية عقد التحالفات بين الأحزاب العربية، مع إنضمام حزب «التجمع الوطني الديمقراطي»، حديث التشكيل، إلى قائمة «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة»، وتحالف «الحزب الديمقراطي العربي» مع «الحركة الإسلامية/الجناح الجنوبي» في قائمة واحدة. وكانت حصيلة هذين التحالفين 9 مقاعد في الكنيست. وفيما حافظت «الموحدة» نسبياً على التحالف بين مكوناتها، تبدل إيقاع التحالفات الأخرى، بحسب وضع كل قائمة وحساباتها عشية كل إنتخابات.
يمكن القول إن تقارب المواقف أو تشابهها تجاه القضايا السياسية الوطنية وهموم المجتمع العربي في إسرائيل سَهَّل كثيراً مسألة التنسيق والتحالف ما بين الأحزاب العربية «البرلمانية»، يضاف إلى ذلك، أن رفع نسبة الحسم من 1% إلى 1,5% في تلك الإنتخابات، لعب دوراً مهماً في عقد هذه التحالفات.
■ وفي العام 2014، سن الكنيست قانوناً رفع فيه نسبة الحسم في الانتخابات من 2% إلى 3,25%، باقتراح من رئيس حزب «إسرائيل بيتنا»، أڤيغدور ليبرمان. وكان الهدف الأساس من ذلك تهميش الأحزاب العربية وإقصاؤها من الكنيست، في سياق تصعيد السياسة الصهيونية القائمة على العنصرية ضد الفلسطينيين.
لكن الأحزاب العربية ردت على رفع نسبة الحسم بإعلان تحالفها ضمن قائمة واحدة «القائمة المشتركة» - 1/2015، ضمت الأحزاب الأربعة التي تشارك في الإنتخابات ولها تمثيل في الكنيست وهي: الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، الجبهة العربية للتغيير، الحركة الإسلامية /الجناح الجنوبي، والتجمع الوطني الديمقراطي. وأثمر تشكيل القائمة المشتركة 13 مقعداً في الكنيست. وهكذا، وبدلاً من أن يتحقق هدف أصحاب إقتراح رفع نسبة الحسم، بتهميش الأحزاب العربية، باتت هذه الأحزاب في إطار وحدتها ضمن «المشتركة» تشكل القوة البرلمانية الثالثة في الكنيست.
■ تعثرت هذه التجربة في إنتخابات الكنيست الـ21 - 9/4/2019، بعد أن غطت ملفات الخلاف على ضرورات إستمرار التجربة وتطويرها. فخاضت الأحزاب العربية الإنتخابات ضمن قائمتين منفصلتين. وكما هو متوقع، إنخفضت نسبة التصويت العربي، وخسرت الأحزاب مجتمعة 3 مقاعد عما حصلت عليه الإنتخابات السابقة ضمن «المشتركة». وبفعل هذا التراجع زادت غلة الأحزاب الصهيونية من الأصوات العربية لتصل إلى نحو 30% منها.
■ دفع الإستقطاب الحاد في المشهد الإسرائيلي مكونات القائمة المشتركة إلى إعادة تشكيلها وخاضت الإنتخابات الـ22– 17/9/2019، والـ23- 2/3/2020 المتتاليتين بشكل موحد، وحصدت القائمة 13 و15 مقعداً على التوالي. وبدا أن هذه التجربة تتجه نحو المزيد من الإنجازات، لولا أن أعداءها دخلوا على خط التباينات بين أطرافها، وساعدهم في ذلك عدم معالجة ما ظهر من أخطاء في هذه التجربة الوحدوية، وهو ما أدى إلى خوض إنتخابات الكنيست الـ24- 23/3/2021 بقائمتين بعد خروج «العربية الموحدة» من «المشتركة»، وتتراجع بالتالي نسبة التصويت العربي لأقل من 50%، وتتراجع معها حصة الأحزاب العربية من 15 مقعداً إلى 10 مقاعد.
■ قبيل إنتخابات الكنيست الـ25- 1/11/2022، إتفقت المكونات الثلاثة لـ «القائمة المشتركة»: «الجبهة» + «العربية للتغيير» + «التجمع»، على إعادة تشكيل القائمة- 14/9/2022. لكن خلافات تتعلق بتقاطع التصويت في الكنيست مع الكتل البرلمانية الصهيونية، أدت إلى عدم إكتمال هذه الخطوة. وخاضت «الجبهة» و«حركة التغيير» الإنتخابات في قائمة، بينما خاضها «التجمع» لوحده في قائمة أخرى، وكذا الأمر بالنسبة لـ «العربية الموحدة»، ما يعني إنتقال هذه القوائم من التعاون في استقطاب الصوت العربي وعدم تسربه إلى الأحزاب الصهيونية، إلى حالة معاكسة من التنافس فيما بينها على هذا الصوت.
وبالنتيجة: حصل تحالف «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة» و«الحركة العربية للتغيير» على 5 مقاعد، و«القائمة العربية الموحدة» على 5 مقاعد، بزيادة مقعد واحد. يشار إلى أن عدد مقاعد القوائم العربية في جولتي الإنتخابات الـ24 والـ25 بقي كما هو (10 مقاعد)، مع فارق مهم ومؤثر هو خروج «التجمع» من عضوية الكنيست لعدم تجاوزه نسبة الحسم في الإنتخابات الأخيرة، وكان قد حصل على 138 ألف صوت وينقصه أقل من 30 ألفاً كي يفوز بأربعة مقاعد في الكنيست■
(3)
..على خط تشكيل الحكومات الإسرائيلية
■ في إنتخابات الكنيست الثالثة عشرة - 1992، حازت الأحزاب الصهيونية على أكثر من 50% من الأصوات العربية. ورأى محللون في هذا المؤشر دليلاً على تبني بعض الإتجاهات في الوسط العربي لـ«استراتيجية تغيير متدرج، عبر القبول بالإندماج على هامش الدولة اليهودية كثمن يدفع لتحصيل بعض الحقوق والمطالب». [عزمي بشارة، «الأقلية الفلسطينية في إسرائيل: رؤية جديدة»، مجلة «المستقبل العربي»، العدد 11، صيف 1992، بيروت].
لقد جرت الإنتخابات المذكورة بين تاريخي؛ إفتتاح «مؤتمر مدريد» - 10/1991، وتوقيع إتفاق أوسلو- 9/1993، وضمن أجواء روجت على لسان مهندسي الإتفاق لحلول «سلام قريب»، ولا يمكن إنكار تأثير ذلك على مواقف الأحزاب العربية والمختلطة في إسرائيل. ومن ضمن هذا التأثير دعم كتلتي «حداش» و«الحزب العربي الديمقراطي» في الكنيست (5 نواب) تشكيل حكومة رابين، «منعاً» لنجاح الليكود بتشكيلها. لكن لم يمض وقت طويل حتى انحسر تأثير موجة التفاؤل تلك، أمام تصريحات رابين نفسه، الذي تحلل مبكراً من أية إلتزامات تجاه الإتفاق.
■ عقب إنتخابات الكنيست الـ21 - 4/2019، وفي ظل حالة الإستقطاب الحاد الذي عاشه المشهد الحزبي الصهيوني، رشحت «القائمة المشتركة» بيني غانتس، رئيس قائمة «كاحال/لاڤون»/(أزرق /أبيض)، لتشكيل الحكومة الإسرائيلية في مسعى لإفشال محاولة نتنياهو تشكيلها. لكن الذي حصل حينها أن غانتس خضع لإغراءات نتنياهو، بعدما أوهمه بالتناوب على رئاسة الحكومة.
■ مع تصاعد الأزمة التي تعانيها حكومة نتنياهو الخامسة- 2019/2020، وهروباً من إستحقاق التناوب مع غانتس، فتح حزب الليكود حواراً مع قيادة «القائمة العربية الموحدة» أدت مفاعيله إلى حل الكنيست الثالثة والعشرين - 22/12/2020، بسبب عدم تصويت نواب القائمة ضد مشروع قرار تمديد موعد إقرار الميزانية، وهو ما أدى لسقوط الحكومة بناء على رغبة نتنياهو.
■ وعشية إنتخابات الكنيست الـ24 - 23/3/2021، إتبع نتنياهو سلوكاً مغايراً لعادته تجاه الناخب العربي، فبدلاً من العزف المعتاد على خطر تدفق الناخبين العرب على صناديق الإقتراع، خصص جزءاً من دعايته الإنتخابية للمجتمع العربي، فزار بلدات عربية ونظّم فيها لقاءاتٍ إنتخابية، في سياق إستراتيجية جديدة تهدف إلى وضع بعض رؤساء البلديات المحلية العربية أمام «خيار إيجابي» يستبدل فيه خطاب مناهضة حكم نتنياهو بخيار التفاعل مع حكومته كطريق أجدى لتحقيق مطالب هذا المجتمع. وقد حذر محللون من أن الرهان على أية وعود من الليكود ورئيسه بشأن تحصيل حقوق المجتمع العربي هو مجرد وهم، وأن نتنياهو الذي نكث باتفاقات مكتوبة ومصدقة في الكنيست عقدها مع شركائه، لن يكون مختلفاً في التعامل مع أي حزب عربي، وأن هدفه الوحيد هو شق طريقه قدماً باتجاه الإستمرار على رأس هرم السلطة.
■ بعد فشل نتنياهو في تشكيل الحكومة الإسرائيلية السادسة والثلاثين، وتعثر يائير لبيد في تشكيلها، لاح في الأفق خيار إعادة موضوعة التشكيل إلى الكنيست مرة أخرى، وعندها، يصبح الإحتمال الأرجح هو التوجه نحو إنتخابات مبكرة. وقد دفع ذلك «القائمة المشتركة»، إلى حسم مسالة التكليف من خلال رسالة إلى الرئيس الإسرائيلي ريڤلين، جاء فيها: «أمام خيار إعادة القرار للكنيست، أو تكليف بينيت، أو لبيد، فإنها تؤيد تكليف لبيد، وتعارض حكومة يترأسها بينيت».
كما بعثت «القائمة العربية الموحدة»، برسالة للرئيس الإسرائيلي قالت فيها إنها لا توصي بتكليف أحد، ولكنها «ستتعاون بشكل إيجابي مع من يتم تكليفه بمهمة تشكيل الحكومة» وأن باستطاعتها، أن تكمل عدد النواب المطلوب لتشكيل الحكومة، إذا تم التجاوب مع طلباتها في المفاوضات. وعلى ذلك، أعلن الرئيس الإسرائيلي ريڤلين- 5/5/2021، أن لبيد بات يحظى بتوصية 56 نائباً (نتنياهو 52 نائباً)، وأنه يكلفه بتشكيل الحكومة. [«برهوم جرايسي: «التفاهمات الأولية لتشكيل حكومة بينيت - لبيد ليست كافية لضمان قيامها» («أمد» - 10/5/2021)].
■ وفي الأيام الأخيرة من مهلة تشكيل الحكومة السادسة والثلاثين، كان بين يدي لبيد 57 نائباً فقط، لكن إستعداد رئيس «القائمة العربية الموحدة» منصور عباس للمشاركة في الائتلاف الحكومي بنوابها الأربعة أكمل العدد اللازم لتنصيب الحكومة (61 نائباً)، وبذلك، سجلت «الموحدة» سابقة في مشاركة حزب عربي في ائتلاف حكومي إسرائيلي، ورأى مراقبون أن هذه المشاركة مثلت إنتكاسة كبيرة في مسار الدور الحزبي العربي في إسرائيل. وكانت «الموحدة» بررت موقفها بالقول إن استراتيجية الأحزاب العربية الأخرى في الكنيست تتسم بالإنعزالية والجمود، ما أدى إلى الفشل في تقديم الخدمات الواجب تقديمها عبر الحكومة، للبلدات والقرى العربية، وأن السبيل إلى ذلك - برأيها - هو الإنخراط في اللعبة السياسية عبر الإنضمام إلى الائتلاف الحكومي.
نشير هنا إلى أنه على الرغم من أن الإتفاق الائتلافي بين لبيد وعبّاس، نص على تمديد تجميد تنفيذ ما يعرف بـ «قانون كامينتس»، الذي يسرع إجراءات هدم بيوت الفلسطينيين، حتى العام 2024، ورصد ميزانية تقدر بنحو نصف مليار شيكل لمشاريع في المجتمع العربي. إلا أن المراقبين لفتوا إلى أن «الإتفاق الثنائي بين منصور عبّاس ويئير لبيد غير ملزِم للحكومة، لأن الأخير ليس رئيساً لها، كما أن نفتالي بينيت قال، بأنه غير ملزَم بالإتفاق، وكذلك وزير المالية أڤيغدور ليبرمان». [«عرب 48»ـــــ 14/6/2021].
■ يمكن قراءة مشاركة «الموحدة» في الحكومة الإسرائيلية السادسة والثلاثين والمسماة بـ«حكومة التغيير» برئاسة كل من بينيت ولبيد من زاويتين متكاملتين:
1- هي خروج عن مسار النضال من أجل فرض «حل ديمقراطي» يلغي التمييز القومي العنصري بحق الأقلية الفلسطينية الوازنة (مليونان و157 ألف نسمة من أصل 10,2 مليون، أي 21,1% من عدد السكان، بحسب تقرير دائرة الإحصاء المركزية في إسرائيل - 18/4/2026)، مقابل الإكتفاء بوعود خدمية وإدارية جزئية غالباً ما تفضل الأحزاب الصهيونية طرحها في الائتلاف الحكومي على لسان أعضاء عرب في صفوفها لكسب المزيد من الأصوات العربية لصالح هذه الأحزاب.
2- وهي فك إرتباط تعسفي ومن جانب واحد، يسعى للقطع مع الصلة الذاتية والموضوعية بين الواقع النضالي في أراضي الـ 48 من جهة، وأراضي الـ 67، والأمر ذاته بخصوص مواقع اللجوء والشتات، لأن المشروع السياسي الإسرائيلي في هذه المرحلة تحديداً يستهدف إلحاق الهزيمة بالمشروع الوطني الفلسطيني التحرري برمته، بما فيه، مسار فرض «الحل الديمقراطي»، الذي توافقت على عناوينه الأساسية غالبية مكونات المشهد السياسي والحزبي العربي في إسرائيل، وقد تبلورت إحدى حلقات هذا الإستهداف بشكله «القانوني» بحق فلسطينيي الـ48 مع إقرار ما يسمى بـ«قانون القومية» - 2018■
(4)
7 أكتوبر.. تداعيات واستحقاقات
■ لم يكن الموقف السياسي الفلسطيني العام موحداً تجاه زلزال «طوفان الأقصى» وتداعياته، فاختلفت القراءات وتباينت ردَات الفعل. لكن الخطاب السياسي للجميع كان واحداً ضد حرب الإبادة التي شنتها آلة القتل الصهيونية بحق الشعب الفلسطيني عقب وقوعه، وهو الأمر الذي بدا مختلفاً في رصد مواقف مكونات المشهد السياسي - الحزبي العربي في أراضي الـ48، حيث غاب الإجماع على إدانة تلك الحرب.
وقد وصفت «القائمة العربية الموحدة»، الجناح الإسلامي الجنوبي بقيادة منصور عباس، «طوفان الأقصى» بأنه «خطأ كبير وجريمة ضد المدنيين، أدخلت الشعب الفلسطيني كله في مخاطر كبيرة يدفع أطفال غزة ثمنها حتى الآن».
لكن الذي أُعتبر أول إفتراق كبير في موقفها عن الموقف الفلسطيني العام منذ تبلوره في سبعينيات القرن 20، هو «تحذير الشباب والطلاب العرب من أي تعبير عن الرأي منعاً للتعرض للعقاب»، في حين نشط الحزب الشيوعي في إطار «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة» في تنظيم إحتجاجات ميدانية ضد الحرب وضد «قتل المدنيين من الجانبين وضد الفاشية الآخذة في الإنتشار في المجتمع الإسرائيلي»، في حين كان «التجمع الوطني الديمقراطي»، أشد وضوحاً، فوصف ما يجري في غزة بالإبادة، وبأنها فشل للإستراتيجية الإسرائيلية في التعامل مع القضية الفلسطينية، وطالب بـ «ضرورة إعادة تعريف سؤال المواطَنة ومعانيها ومكانة المجتمع الفلسطيني والحالة السياسيّة عامّة في ظل التحولات الحاليّة، وشدّد على استحالة فصل قضايا المواطنين العرب المعيشية والمدنية عن القضية الوطنية والقومية وضرورة إنهاء الإحتلال».
أما لجنة المتابعة العليا فقد ربطت بين «طوفان الأقصى» وبين السياسة الإسرائيلية في الأراضي المحتلة والإحتلال الدائم وحصار غزة، محمّلة الحكومة الإسرائيلية المسؤولية الكاملة عمّا جرى، ووضعت الحرب على غزة في سياقها الأوسع، ألا وهو الحرب المستمرة على الشعب الفلسطيني، واعتبرتها جزءاً من أدوات الإحتلال والحصار. ولم ترَ فيها ردّ فعل على عمليّة طوفان الأقصى فحسب».
وعلى الرغم من الإجراءات القمعية الإسرائيلية وأجواء الترهيب والتهديد التي نشرتها الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، فقد شهدت بلدات وقرى فلسطينية تظاهرات إحتجاجية ضد حرب الإبادة التي شنتها آلة القتل الصهيونية بحق الشعب الفلسطيني.
حرب تشريع ضد الفلسطينيين ونوابهم
■ إذا كان ائتلاف نتنياهو الحكومي لم يوفر الفرص التي سنحت له في الكنيست لتشريع عدد من القوانين التي تنتقص من صلاحيات القضاء والتضييق على المعارضة الصهيونية حتى بعد وقوع زلزال «الطوفان»، فلنا أن نقدر عما سيقوم به هذا المعسكر من تشريع ضد فلسطينيي الـ 48 ونوابهم، وهم المصنفون أساساً في خطابه كـ«طابور خامس» حتى قبل 7 أكتوبر.
فقد تعرض رئيس قائمة «الجبهة الديمقراطية والعربية للتغيير» لمحاولة طرد من عضوية الكنيست بسبب منشور قال فيه: «سعيد بتحرر المخطوفين والأسرى، من هنا يجب أن نحرر الشعبين (الفلسطيني والإسرائيلي) من عنف الإحتلال، لقد وُلدنا جميعاً أحراراً»، تعليقاً على صفقة التبادل بين المقاومة الفلسطينية وإسرائيل. مرد عاصفة الغضب الصهيوني على عودة أنه بنظرهم ساوى ما بين «المخطوفين الإسرائيليين الأبرياء والإرهابيين الفلسطينيين». وعلى ذلك، قُدم إقتراح فصل أيمن عودة من عضوية الكنيست إستناداً - بحسب مقدمي مشروع القرار - إلى البند (7أ) من القانون الأساسي للكنيست، الذي يتيح شطب عضو إذا ثبت دعمه لمنظمة «معادية»، أو نفيه تعريف إسرائيل كدولة «يهودية وديمقراطية».
■ لكن الائتلاف الحكومي فشل في تأمين الـ 90 صوتاً اللازمة لترسيم قرار الطرد (ثلثي الأصوات). ففي الجلسة التي عقدت لذلك - 24/5/2025، صوت لصالح مشروع القرار 73 نائباً هم أصوات الائتلاف الحكومي (ماعدا نواب «يهودوت هتوراة»)، وفوقهم نواب «إسرائيل بيتنا»، في حين وقف ضده 15 نائباً، هم نواب القائمتين العربيتين (10 نواب) ومعهم نواب حزب «الديمقراطيين»، برئاسة يئير غولان، في حين تغيب عن التصويت نواب حزبي «هناك مستقبل»(23 نائباً)، و«أزرق- أبيض» (8 نواب) المعارضين. وكان حزب «يهودوت هتوراة» (7 مقاعد) الشريك في الائتلاف الحكومي، قرر منذ وقت سابق عدم التصويت لصالح مشاريع قرارات الائتلاف الحكومي إحتجاجاً على عدم تمرير قانون تجنيد يجنّب أتباع الحريديم الخدمة الإلزامية في صفوف الجيش، ويمنحهم دعماً مالياً للمدارس والمعاهد الدينية، كما وعد نتنياهو مراراً.
■ أما غياب نواب المعارضة عن التصويت فيمكن فهمه من زاويتين: أولا، من زاوية التفاعل مع مواقف برلمانية أوروبية وأميركية إعترضت على محاولة الطرد (بينهم 3 أعضاء كونغرس من الحزب الديمقراطي). وثانياً، الحفاظ على النواب العرب كخزان إحتياط على أبواب إنتخابات الكنيست السادسة والعشرين، والتي يمكن أن تفرز نتائج متقاربة مع معسكر نتنياهو، وهو ما يفتح مجدداً معركة تشكيل الحكومة كما حصل في العام 2021، عقب إنتخابات الكنيست الرابعة والعشرين التي جاءت بـ «حكومة التغيير»، بفضل مشاركة كتلة «العربية الموحدة» في ائتلافها الحكومي. وكانت منظمات مجتمع مدني في إسرائيل بينها «الحركة الديمقراطية المدنية»، دعت قادة أحزاب المعارضة، إلى الإمتناع عن التصويت لصالح إقصاء النائب عودة، محذرين من أن تأييد هذا الإجراء سيؤدي إلى مقاطعة النواب المؤيدين من قبل الحركات الإحتجاجية وحرمانهم من المشاركة في المظاهرات المناهضة للحكومة».
■ وكان مركز «عدالة» الناشط في أراضي الـ48 كشف في تقرير له - 10/12/2025، أن نحو 30 قانوناً عنصرياً الكنيست بين 7 أكتوبر 2023 و27 يوليو 2025، ضد الفلسطينيين، سواء في أراضي الـ48 أو في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967.
وتشمل القوانين المقرة مجالات متعددة بينها حرية التعبير والإحتجاج وحرية الفكر والحق في المواطنة والحياة الأسرية والمساواة والحقوق الإجتماعية وحقوق الأسرى، وهي جميعها تشريعات تنتهك بصورة جوهرية الحقوق الإنسانية الأساسية للفلسطينيين. كما تشمل تجريم التعبير السياسي المشروع، والسماح بترحيل العائلات الفلسطينية، ومنع لم الشمل، وإقالة المعلمين الفلسطينيين، وحرمان العائلات الفلسطينية من مخصّصات الرفاه الإجتماعي إذا أُدين أطفالها بـ «مخالفات أمنية»، بما في ذلك رشق الحجارة، وتوسيع صلاحيات الإعتقال والإحتجاز المطوّل، وتقييد الوصول إلى المحامين، وإغلاق مؤسسات إعلامية مستقلة، وتشمل أيضاً توسيع أسس منع المشاركة في الإنتخابات، ومنع توظيف المعلمين الذين حصلوا على شهاداتهم الجامعية من مؤسسات أكاديمية في الضفة الغربية، وفصل أكاديميين بسبب آرائهم السياسية، والدفع نحو ضمّ الضفة من خلال تغييرات قضائية وإدارية تُطبِّق القانون الإسرائيلي مباشرةً على المناطق المحتلة، وفرض ضرائب على تمويل المنظمات الحقوقية من حكومات أجنبية.
■ في هذا السياق، لفت مراقبون الإنتباه إلى مشاريع قوانين قدمت للكنيست، تلغي إمكانية تطبيق الإعتقالات الإدارية ضد المستوطنين في الضفة الغربية حتى لو ارتكبوا أعمالاً يمكن تصنيفها بأنها أعمال إرهابية، لكنها في الوقت نفسه تتيح لوزير الأمن إصدار أوامر إدارية ضد مواطني الدولة في حالة القيام بأعمال إرهابية ضدها أو الإنتماء إلى منظمات إرهابية، ومن الواضح أن كل هذه المنظمات هي منظمات عربية وفلسطينية، مما يعني في الواقع أن الإعتقالات الإدارية تسري فقط على المواطنين العرب، وليس على اليهود.
■ وأشار مركز «عدالة» إلى أن القوانين الجديدة «تُجسِّد عمليا، قانون أساس: إسرائيل - الدولة القومية للشعب اليهودي لعام 2018، والذي ينص على أن للشعب اليهودي حقاً حصرياً وغير قابل للتصرف في جميع مناطق أرض إسرائيل». وخلص محللون إلى أن الإجراءات الأمنية الإسرائيلية بحق فلسطينيي 48 بيّنت «هشاشة المواطنة والجنسية الإسرائيليّتين الممنوحتين لهم اللتين باتتا رهينتين وتخضعان لدوافع المؤسّسة الإسرائيلية والاحتياجات الأمنيّة والإجماع الصهيوني وشروطه. حيث المؤسسة العسكرية كانت ولا تزال، واليوم أكثر من ذي قبل. تتعامل معهم فقط من منظور أمنيّ وعسكري، وأدرجتهم في خانة الأعداء المحتملين في ظلّ حديث نتنياهو عن عدوانه: حرب وجوديّة وحرب على البيت». [أمين قمورية، «أين عرب 48 من العدوان على غزة؟»، 2/4/2024]■
(5)
في مواجهة التمييز والتهويد
ملف هدم المنازل بيد بن غڤير!
■ صادقت الكنيست- 2024، بأغلبية 55 صوتاً مقابل 51، على نقل صلاحيات هدم منازل الفلسطينيين في أراضي الـ 48 من وزارة المالية إلى وزير الأمن القومي إيتمار بن غڤير، أي من الجهاز الإداري إلى إطار أمني أكثر تشدداً، ما يرجح تسريع عمليات الهدم وزيادة الضغط على المجتمع العربي، الذي يعاني أصلاً من نقص الأراضي وصعوبة الحصول على تراخيص البناء. وجاء القرار بموجب صفقة مع الأحزاب الحريدية مقابل دعم تشريع يتعلق بالهواتف الخلوية ضمن المجتمع الحريدي. ويمنح القرار بن غڤير سيطرة مباشرة عبر جهاز الشرطة على تنفيذ أوامر الهدم بحجة البناء غير المرخص، مع تركيز خاص على القرى العربية في النقب.
وقد إتسعت فعلاً دائرة التهويد في النقب، بما فيه مصادرة الأراضي التي تقيم عليها البلدات الفلسطينية؛ كما والقرارات، التي من شأنها أن تسهل بيع أراضي الجليل لليهود حصراً، في خطة متكاملة للتسريع بتهويده، بما يضعف الوجود الفلسطيني في الجليل، في محاولة لتحويله إلى تجمعات متناثرة، مقطعة الأوصال فيما بينها. وقد هدمت السلطات الإسرائيلية 11 ألف منزل ومنشأة عربية خلال السنوات الثلاث الأخيرة، ضمن ما يعرف بمشروع «صقر الجنوب» في منطقة النقب، نصفها تقريباً هدمت خلال العام 2024، ويهدف المشروع إلى طرد العرب من أراضيهم وتركيز إقامتهم في مناطق محددة ومحصورة.
البلديات العربية .. تقشف بالإكراه!
■ من جهة أخرى ، تتلقى السلطات المحلية العربية ميزانيات أقل بكثير من السلطات المحلية اليهودية، بنسبة تصل إلى 50 ـــــ 60%. وينعكس هذا النقص على قطاعات حيوية مثل التعليم، والصحة، والإسكان، والطرق، مع الإشارة إلى أن غالبية السلطات المحلية العربية تعتمد بشكل أساسي على التمويل المركزي، لأن قدرتها محدودة على تحصيل ضرائب ورسوم من المجتمع المحلي بسبب إرتفاع معدلات البطالة والفقر بين السكان. وفي التوسع العمراني، تواجه السلطات المحلية العربية قيوداً تنظيمية تعرقل منح التراخيص أو تنفيذ مشاريع البنى التحتية، ما يعيق النمو السكاني والإقتصادي. كما أن نقص الأراضي المخصصة للبناء والتنمية الإقتصادية يحد من قدرة هذه السلطات على استيعاب النمو السكاني الطبيعي وتطوير مناطق صناعية وتجارية جديدة.
الجريمة التي بلا عقاب في إسرائيل
■ كان العام 2025 الأكثر دموية في أراضي الـ48، بعدما تجاوز عدد جرائم القتل 250 جريمة في المجتمع العربي، 15% منها فقط ألقي القبض على مرتكبيها، أي أن الغالبية العظمى من الجناة طلقاء يتجولون بحرية ربما بحثاً عن ضحايا أخرى. والمفارقة أن الشرطة الإسرائيلية الغائبة، (إقرأ المتوارية) عن المشهد، حاضرة بقوة وعلى الفور عندما يتعلق الأمر بملاحقة سياسية أو أمنية أو بقمع تظاهرة أو إعتصام إحتجاجي فلسطيني على ما يجري من تواطؤ حكومي مكشوف معبر عنه بالتلكؤ في الكشف عن مرتكبي هذه الجرائم. وبذلك تحولت الجريمة المنظمة إلى عامل سيطرة وضبط وأداة لتفكيك المجتمع العربي في الداخل، وهو مما يفترض التعامل مع الموضوع باعتباره ذا بعد وطني سياسي من الدرجة الأولى.
ويرى محللون أنه «ينبغي إدراج موضوع إستفحال الجريمة تحت إطار الملاحقة السياسية، إذ أن للجريمة المنظمة دوراً سياسياً واضحاً في استهداف المجتمع العربي برمته، حيث لا يدور الحديث عن مجرد خلل إجتماعي تربوي، إنما عن نوع من الحرب غر المعلنة التي تشنها الدولة ضد مواطنيها العرب». [رائف زريق، «الفلسطينيون في إسرائيل»/تقرير «مدار» الاستراتيجي - 2026، ص177]■
(6)
الطريق إلى إنتخابات 2026
■ يرى معظم المراقبين أن إنتخابات الكنيست السادسة والعشرين ستجري – كما هو مفترض - في نهاية شهر تشرين الأول (أكتوبر) القادم، إلا إذا تم اللجوء إلى إنتخابات مبكرة قبل حلول ذلك الموعد، في حال وجد نتنياهو نفسه مضطراً لذلك تحت ضغط الأحزاب الحريدية بسبب «قانون التجنيد»، وهو أمر مستبعد حتى الآن لأن هذه الأحزاب تدرك أن الليكود بقيادة نتنياهو هو الوحيد الذي لديه إستعداد لإرضائها مقابل استمراره على رأس الحكومة. ففي مطلع العام 2026، صعّد الحريديم من ضغوطهم وهددوا بإسقاط الميزانية، قبل أن يعودوا لدعمها لاحقاً بعد تحقيق مكاسب مالية شملت تخصيص نحو 800 مليون شيكل إضافية لمؤسساتهم. لكن يبقى إحتمال الإنتخابات المبكرة وارد برأي المراقبين في حال إستجد في حسابات نتنياهو ما يستدعي هذا الإجراء.
■ تشير معظم إستطلاعات الرأي العام إلى حصول الأحزاب العربية على 10 مقاعد في الإنتخابات القادمة، إلا إذا تم إعادة تشكيل القائمة المشتركة، وهو ما يرقى بنسبة التصويت العربي بما يؤدي إلى رفع مقاعد النواب العرب المتوقعة إلى 15. وقد دفعت الأجواء العنصرية الصهيونية والحرب المستمرة على غزة إضافة إلى ضغط الشارع، قادة الأحزاب العربية إلى توقيع وثيقة تدعو إلى إعادة تشكيل هذه القائمة - 12/2026، إلا أن معظم المراقبين لا يرجحون قيامها، لأن منصور عباس، رئيس «القائمة العربية الموحدة» لا يخفي تفضيله خوض الانتخابات بشكل منفصل، مستبدلاً ذلك بالتنسيق مع القائمة العربية الأخرى من خلال إتفاق فائض الأصوات فيما بينهما.
وقد فهم المراقبون من ذلك أن عباس أراد أن يحتفظ بجميع خياراته خلال الإنتخابات وما بعدها دون قيود، بما في ذلك خيار المشاركة في الحكومة الإسرائيلية القادمة في حال عرض عليه ذلك، في ظل توقعات بتكرار سيناريو العام 2021، قبيل تشكيل «حكومة التغيير»، برئاسة نفتالي بينيت، ويائير لبيد، من زاوية إمكانية دخول «القائمة العربية الموحدة» على خط تشكيل الحكومة على يد المعارضة، على الرغم من أن بينيت يفضل عدم حدوث ذلك، مستنداً إلى استطلاعات الرأي التي تضع حزبه في مقدمة الأحزاب باستثناء الليكود، إضافة إلى مواقفه المعادية للعرب التي أبداها خلال جولة إستفزازية للنقب- 25/10/2025، وصف فيها الوجود العربي هناك بأنه «تهديد أمني» و«خطر شبيه بأحداث السابع من أكتوبر».
■ لكن في حال تقارب نتائج المعسكرين الصهيونيين المتصارعين في الإنتخابات، سيكون سيناريو 2021 هو الأقرب للتطبيق تفادياً لجولة مبكرة جديدة من الإنتخابات. وهنا يحذر المراقبون إلى احتمال أن تجد «الموحدة» نفسها في خضم الصراع بين الأحزاب الصهيونية في السباق على تشكيل الحكومة، وهذا كفيل بجعل القائمة مستهدفة من قبل معسكر نتنياهو الذي سبق له أن صرح - 12/2025، بأنه يعتزم حظر الحركة الإسلامية الجنوبية، حاضنة «الموحدة»، إستكمالاً للحظر الذي فرض على الحركة الإسلامية/ الجناح الشمالي- 2015. وقد فهم المراقبون من هذا التصريح أن نتنياهو وأطراف ائتلافه يمكن أن يقدموا على هذا الإجراء في الكنيست قبل الإنتخابات بما يتوفر لديهم من أغلبية برلمانية، كي يمنعوا خصومهم من تشكيل الحكومة القادمة إعتماداً على «الموحدة»، كما حصل في العام 2021، حتى لو أدى هذا المنع إلى جولة مبكرة من الإنتخابات■
17/5/2026
المراجع
[■ فيما يلي ثبت بمراجع الدراسة المنشورة في سلسلتي «الطريق إلى الاستقلال»، و«من الفكر السياسي الفلسطيني المعاصر»، الصادرتين عن المركز الفلسطيني للتوثيق والمعلومات/«ملف»، بالإضافة إلى عدد من مواقع مراكز البحث والإعلام على شبكة الأنترنت:]
أولاً- سلسلة «الطريق إلى الاستقلال»
1- فهد سليمان، «المشروع الوطني الفلسطيني وراهنية البرنامج المرحلي»، ص9 - 22، من الكتاب الرقم 44 بعنوان: «.. تحت المجهر»، ط1: حزيران (يونيو) 2023.
2- فهد سليمان، «ثلاثية الحرب»، ص7 - 84 من الكتاب الرقم 46 بعنوان: «فلسطين والإقليم»، ط1: نيسان (إبريل) 2024.
3- فهد سليمان، «إنه الضم يا ذكي!»، ص13 - 35، من الكتاب الرقم 45، بعنوان: «في مواجهة مخطط الحسم»، ط1: تشرين الثاني (نوڤمبر) 2023.
4- معتصم حمادة، «الإنتخابات الإسرائيلية بتداعياتها»، ص51 - 69 من الكتاب الرقم 44 بعنوان: «تحت المجهر»، ط1: حزيران (يونيو) 2023.
5- محمد السهلي، «الأحزاب العربية في إسرائيل»، ص203 – 232 من الكتاب الرقم 42 بعنوان: «بين مشهدين»، ط1: أيار (مايو) 2022.
6- محمد السهلي، «المشاركة العربية في إنتخابات الكنيست»، ص 169 - 188، من الكتاب الرقم 41، بعنوان: «الإنتخابات العامة .. إلى أين؟»، ط1: أيلول (سبتمبر) 2021.
7- «إنتخابات الكنيست العشرين، 17/3/2015»، ص 199 - 228 من الكتاب الرقم 31، بعنوان: «إنتفاضة الشباب»، ط1: أيار (مايو) 2016، إعداد «ملف».
8- «إنتخابات الكنيست 21»، ص161 - 176 من الكتاب الرقم 35، بعنوان: «في مواجهة صفقة القرن..»، ط1: أيلول (سبتمبر) 2019، إعداد «ملف».
9- إنتخابات الكنيست 22- 9/2019»، ص145 - 157 من الكتاب الرقم 37 بعنوان: «ملفات فلسطينية (2/2) - صفقة القرن في الميزان..»، ط1: كانون الثاني (يناير) 2020، إعداد «ملف».
10- «إنتخابات الكنيست الـ 23- 2/3/2020»، ص 137 - 152 من الكتاب الرقم 39 من السلسلة المذكورة، بعنوان: «صفقة القرن في الميدان ..» ط1: تشرين الثاني (نوڤمبر) 2020 - إعداد «ملف».
9- «إنتخابات الكنيست الـ 24- 23/3/2021»، ص 213 – 230، من الكتاب الرقم 41، بعنوان: «الإنتخابات العامة إلى أين؟»، ط1: أيلول/ سبتمبر 2021 - إعداد «ملف».
10- «إنتخابات الكنيست الـ25»، ص23 - 48، من الكتاب الرقم 44 بعنوان: «..تحت المجهر»، ط1: حزيران (يونيو) 2023 - إعداد «ملف»■
ثانياً- سلسلة «من الفكر السياسي الفلسطيني المعاصر»
1- «الموضوعات السياسية»، ص27 - 57 من الكتاب الرقم 19 بعنوان «وثائق المؤتمر الوطني العام الثاني للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين - 2024»، ط1: آب (أغسطس) 2024.
ثالثاً- مواقع الكترونية
1- المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية/«مدار».
2- عرب 48.
3- «الجزيرة نت»■
