للذهاب الى صفحة الكاتب   

وللشارع نبض .. واجب الاستماع

د. عامر ممدوح

كاتب وأكاديمي

 

انجذبت منذ سنوات إلى برنامج ممتع كان يعرض على شاشة قناة الحرة ـ توقف لاحقاً ـ كان يحمل عنوان (نبض الشارع)، ويهتم بإبراز قصص الشارع المصري تحديداً، والتحولات المجتمعية المؤثرة، قد نجح في نظري إلى حدٍ بعيد في انتقاء الموضوعات المهمة، والإحاطة بكافة جوانبها، وإيصال الرسالة بذكاء دون ان تخلو بطبيعة الحال من لمحة سياسية مبطنة.

 

وما يهمني إن البرنامج الذي اعود إلى أرشيفه كثيراً، قام على فكرة بالغة الأهمية، وهي ان الدول والمجتمعات والحضارات بالعموم لا تقف عند حالٍ واحد، وإن المتغيرات ــ سواء في حدّها السلبي أم الإيجابي ـ واقعة لا محالة، وأشد ما تكون عليه في بنية المجتمع ذاته، وفي الأفكار والأعراف والمعتقدات والذهنيات والتصورات.

 

للشارع نبض خفي، هذه هي الخلاصة الأهم، وهذا النبض المتسلل بيننا بهدوء قد لا نشعر به إلا بعد زمن، وذلك متعلق بحيثيات عدة منها تأثيرات البيئة، وتطورات العصر اللازمة، وتأثيرات التبدلات السياسية، وضغوط الاقتصاد القاسية، فضلاً عن تحديثات ساحة الفكر والمعرفة المتواصلة دون انتهاء.

 

يفاجأ البعض بتغير سلوكيات المجتمع مثلاً، غلبة البرود على العلاقات، تفكك أواصره، سيادة قناعات وتراجع غيرها، ضمور مهن وبروز أخرى، وهن الجودة على حساب سرعة المكسب والإنتاج، صمت الشعوب بعد عقود القهر والإسكات، وهنا تبرز خطورة الموضوع ولاسيما في المنظومات الخاملة او المغلوبة على امرها او المتخلفة أو المتأخرة، وكلها في تصنيف التراجع سواء، إذا تتعامل بردود الأفعال، ولا تحسن قراءة واقعها، وتقع تحت وطأة الصدمات المتتالية دون ان تكون على أهبة الاستعداد.

 

ويختلف الحال دون شك في المجتمعات الحية، والمنظومات الفاعلة، والتي تضع لها مجسّات علمية دائمة، ومتابعات يومية متواصلة، ودراسات منهجية مستمرة، تنتبه إلى كل متغير يقع، وتحول يطرأ، بدءأ من مفردات الكلام وانتهاء بانحيازات الأفراد والمجموع ذاته.

 

ان نبض الشارع واجب الاستماع، لمن يريد الحصانة ومواكبة العصر الذي يحيط به، وينأى بنفسه عن ركب العاطلين والمتأخرين، مثلما إنه يستدعي إعلاء شان القراءات الواعية، ودعم التخصصات الإنسانية التي تغوص عميقاً في تكوين المجتمع وتحليل نفسيته ودراسة التصرفات والقرارات، وقراءة ما بين الأحرف والسطور.

 

وخاسر من ظل يصمّ أذنيه وعينيه ويعطل أدوات التفكير، إذ لا ينفع اطلاقاً بكاءه على الاطلال واستذكار ما فات من مجدٍ عريق، وماضٍ تليد، مهما حمل ذلك الفعل من بعث دفء الذكرى وحرارة الاشتياق في النفوس، كما نجده في كلام ضيوف برنامجنا المقصود.