
1 تشرين والثورات اللاارضوية غير الناطقة/ 1
عبد الامير الركابي
تتميز تشرين الحالية 2019 عما سبقها من الثورات اللاارضوية الحاصلة في ارض الازدواج المجتمعي مابين النهرين، بانها مرشحه لانجاز مالم يكن ممكنا قبلها لاسباب موضوعية، حينما تعذر على ثورتي 1920 و14 تموز 1958 الانتقال الى النطقية المؤجلة على مر التاريخ، وقت كانت القصورية التاريخيه والتوهمية الغربيه الالية غالبتان، وبالذات وطاة النموذجية الغربية الاوربيه وحضورها الكاسح على مستوى المعمورة، بقوة فعل انبثاق الاله بصيغتها الاولى الابتدائية المصنعية، وماقد نتج عنها من تسارعية غير عادية في الديناميات المجتمعية الخارجة عن ممكنات الادراك في المكان الذي ظهرت فيه، والذي هو اصلا ازدواجي طبقي بنيويا، بما يجعله الاعلى ديناميات ضمن صنفه الارضوي.
ومع هبه التوهمية الاليه الاوربية الكبرى الحاصلة وقتها، مقابل تاخر اسباب النطق اللاارضوي فلقد كان متوقعا حلول موجة من التماهي مع الغرب ومنجزه ومنهجياته، باعتباره مقصدا وغاية هي الارقى والاكمل، فتسارعت بعد العشرينات تحديدا، ومع ضغط عملية الاحتلال الانكليزي، وقوة وقع الثورة اللاارضوية التي استقبلته، حالة من الاسقاطية المفهومية احتلت متصدرة موقع ثمثيل رد الفعل الوطني على الحاصل في حينه، بما يمكن اعتباره مقاومه الاحتلال بوسائل الاحتلال، اتخذت صفة الوطنيه الايهامية، وكرست مفاهيم مايعرف بالحداثة والعصر بحيث سطت على الثورة مفهوما وطبيعة، وحولتها بحسب مفهومها الى "ثورة وطنيه عامه" من نوع الثورة البرجوازية التحررية المكرسة وقتها، من دون اي محاولة توقف عند الذاتيه التاريخيه البنيوية، مع ان التيار او الحركة المذكو رة لم تكن لها فعالية تذكر بما خص ثورة العشرين غير المصادرة المفهومية الداعمة لمشروع الاحتلال في الجوهر، بما انه قام على قاعدة الافنائية النوعية الكيانيه لبنية خارجه عن نموذجه القاصر المحدود كيانيا، وعلى مستوى الدولة مقارنه بالبنيه الازدواجية المجتمعية التاريخيه العراقية، فما يعرف بالوطنيه بصيغتها المستعارة الحديثة العراقية، ماكان لها وجود في العشرينات، الامر الذي اختلف لاحقا ابان ثورة 14 تموز 1958.
وهكذا وجد العراق "الحديث" باعتباره الدولة المركبه برانيا من خارج التشكلية المجتمعية والنصاب المجتمعي، مرتكزة الى التاريخ البراني القائم منذ انتهاء الدورة التاريخيه الازدواجية الامبراطورية الثانيه، وسقوط عاصمة الامبراطورية بغداد التي تحولت الى مركز تتوالي علية الدول والحكومات واشباه الامبراطوريات تباعا، عبر محطتين، الاولى استمرت من القرن الثالث عشر حتى السادس عشر امتازت بغلبه حالة الفوضى الشاملة، لحين تبلور اسباب الانبعاثية الحديثة الثالثة بظهور "اتحاد قبائل المنتفك"، تعبيرا اوليا عن عودة الديناميات الازدواجية التاريخية في دورتها الثالثة الراهنه، وهو مااستمر تشكلا وفترات، اولى قبلية استمرت حتى القرن الثامن عشر، وثانية انتظارية نجفية اعقبت الثورة الثلاثية عام 1787 والتي حررت العراق الاسفل من بغداد الى الفاو، بما يعني ان العراق بالاحرى كان له مسار تشكل وتاريخ انبعاث راهن حديث سابق حتى على الانقلابيه الالية الاوربية، وان بغداد ومن كانوا يمسكون زمامها كمركز منهار، لم تكن لها من السلطة خارج حدودها ما يمكن نسبة البلاد لها باي حال من الاحوال.
وليس هذا بالامر الغريب الابحسب المنطلقات القصورية العقلية الغالبة والعاجزة عن ادراك الحقيقة المجتمعية بما هي وماقد وجدت عليه، فالعراق بنيويا ينشأ من الاسفل، وهو محكوم لقانون الدورات والانقطاعات، فهو نشا وتبلور ابتداء من "سومر"، واكثمل مع "بابل" الامبراطورية وقبلها اكد، وفي الدورة الثانيه من البصرة والكوفة التي اوجدت بغداد، والحاصل لهذه الجهه منطقي وبسيط، فالموضع الجنوبي العراقي هو الاعلى ديناميات بحكم طبيعة العلاقة بالطبيعه وقسوتها، وعملية الانتاج وشبه استحالتها بفعل نهرين عاتيين يتركزان جنوبا يفيضان خارج الدورة الزراعية، واسباب بيئية كلها مضادة للجهد الانتاجي البشري اليدوي، ما يضع المنتجين هنا على حافة الانقراض، ويؤدي الى تشكيل نمطية مجتمعية متلائمه مع الشروط المذكرة تاخذ صيغة "اللاارضوية"، تظل تتلقى بلا توقف وكعامل اضافي اعجازي مضاد، انفتاح الحدود الشرقية والغربيه والشمالية على الانصباب البشري الذي لاتوقف له باتجاه ارض الخصب جنوبا، وماتحمله الارضوية العادية اليدوية ونزوعها للهيمنه والغلبة والاخضاع الذي لايتحقق، بسبب طبيعة المكان، ونوع المجتمعية التي لابقاء لها نموذجا ووجودا الا بذاتها مستقلة، مايولد الديناميه الاصطراعية التاريخية، ويحول العراق الى عراقين في واحد، اكتماله في وحدة اصطرعيته وازدواجه الذي يستقر في اقامة المجتمعية العليا في مدن مسورة اعلى تسوير وامنعه، خارج وعلى اطراف المجتمعية السفلى تظل تمارس حلب الريع بالغزو الداخلي المكلف للغاية، والعودة للعزله وراء الاسوار كما الحال بالنسبة لبابل وبغداد، بينما يتنامي لديها بسبب الاحتدامية الاصطراعيه مع الاسفل، الميل للانكفاء الى الاعلى امبراطوريا، مستفيدة من استباقية الموضع العراقي لبقية المجتمعات تبلورا كما الحال ابتداء من سرجون الاكدي، او استغلال عملية الفتح الجزيري لبغداد بنت الكوفة والهاربة منها.
فهل كان من الممكن وقتها عند بداية القرن العشرين، ان يوجد في العراق من يمكن ان يصل من حيث مستوى القدرة على الادراك مظهرا من هذا القبيل، هو بحد ذاته استثناء نوعي ونموذجي في مجتمع لم يكن يعرف ماهو "علم الاجتماع"، الذي كان غائبا عن وعي البشرية برمتها الى القرن التاسع عشر حين بدات بعض التلمسات في هذا المجال تبدا في اوربا، وظلت لم يسمع بها احد في العراق ربما الى الخمسينات من القرن الماضي.
الاخطر والذي هو في باب المستحيلات، ان يظهر في حينه من يتبنى المنظور التشكلي التاريخي العراقي الحديث مقابل المنظور الاعتباطي الغربي الاستعماري ومشروعه المتحقق على الارض بالصيغة البرانيه التي وجد عليه بعد عام 1920 واقامة ما يعرف بالدولة الحديثة وقد تقررت اقامتها على الاسس البرانيه التاريخيه، مع شي من التجديد يكون فية من هم بموقع الحكم "من اهل البلاد" مرتكزين الى مثال ومفهوم مفترض مستعار، ولنتصور وقتها احتمالية ان يظهر شخص او مجموعه من الاشخاس يقولون بحداثة اخرى وطنيه، عائدة للديناميات الوطنيه، ولخصوصية المكان الازدواجي الامبراطوري اللاارضوي، فيعلنون بان العراق موجود بلا اعلان بحكم طبيعته اللاكيانيه منذ القرن السادس عشر، وانه في حال تشكل من حينه والى الساعة، مازالت دينامياته لم تصل حد التوفر على الاشتراطات اللازمه للاكتمال مع مايمكن ويجب اخذه بالاعتبار من احتمالية تميز واختلاف متوقع، باعتبار الحاصل دورة اعلى متداخلة مع الشروط الانقلابيه الكبرى الالية، ومساراتها المتوقعه مابعد المجتمعية الارضوية الجسدية التي استمرت قائمه على مدى الطور اليدوي المنصرم.
ـ يتبع
