
الأطفال وعصر الجوال
صالح مهدي محمد
لو عاد بنا الزمن إلى الوراء قليلاً، وتحديداً إلى تلك الأيام الهادئة من ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، لتذكرنا كيف كانت شقاوة الطفولة تتلخص في كسر زجاج نافذة الجيران بكرة طائشة، أو في الأتربة والأطيان التي تملأ ملابس الأطفال بعد معركة حامية في أزقة الحي. كانت الطفولة بنت الأرض والركض والتفاعل الحي، أما اليوم، فقد تبدل المشهد تماماً، وحلّت شاشة زجاجية صغيرة برّاقة محل الميدان الفسيح. لقد تحول هذا الجهاز الصغير الذي نسميه الجوال، أو كما هو شائع "الموبايل"، من مجرد وسيلة اتصال طارئة إلى وطن بديل يهاجر إليه أطفالنا كل يوم، ومؤثر صامت ينسج وعيهم بعيداً عن أعيننا. إن مشهد الطفل المنحني على شاشته المضيئة، المستغرق في صخب الألوان الافتراضية، بات مشهداً يومياً يثير في نفوسنا نحن الكبار مزيجاً من الدهشة والشفقة؛ دهشة من قدرة هذا الجيل الصغير على فك شفرات التكنولوجيا، وشفقة على براءة تُسرق في زوايا الغرف المغلقة. هذا الواقع الجديد يضع أولياء الأمور والمربين أمام تحدٍّ مصيري لحماية وجدان أبنائنا وصحتهم من طوفان رقمي لا يرحم إذا لم يُتعامل معه بشكل مدروس.
وليس خافياً على أحد أن سحر هذه الهواتف يكمن في تلك الجاذبية البصرية والسمعية التي تقدم مكافآت فورية لعقول الصغار، مما جعلها تنافس ببراعة ألعابنا الشعبية القديمة وتفاعلاتنا الإنسانية الدافئة. ومع هذا الانغماس، بدأت ملامح النمو الطبيعي تتأثر بشكل يدعو لدق ناقوس الخطر؛ فالأطباء يلاحظون اليوم كيف أدى ذلك بالطفل إلى كسل حركي، وعزلة اجتماعية، وضعف في التركيز، واضطرابات في النوم تخيم على وجوه الأطفال. لقد استُبدل التواصل البصري والتعبير عن المشاعر الحقيقية بضربات متواصلة على شاشات صماء، مما أفرز جيلاً يفتقر إلى القدرة على قراءة تعبيرات الوجوه أو مواجهة تفاصيل الحياة اليومية المعقدة، لينتهي به المطاف حبيساً داخل فقاعته الرقمية الخاصة.
ومع ذلك، وإنصافاً للحقيقة التي تفرضها متطلبات العصر، لا يمكننا أن ننكر أن هذا الجوال يمثل أيضاً نافذة مشرعة على المعرفة والابتكار، فهو يحمل في أحشائه تطبيقات لغوية وعلمية قادرة على توسيع مدارك الطفل وتحفيز ذكائه المبكر، لكن هذا الوجه الإيجابي يظل رهناً بالرقابة الواعية والتوجيه الأبوي المستمر. فالشاشات يجب أن تكون جسراً للعبور نحو المستقبل والاستكشاف، لا وسيلة لتخدير الأطفال وشراء هدوء البيت وتجنب إزعاجهم. إن دور الأسرة في هذا العصر الصاخب لا يكمن في المنع الصارم الذي بات ضرباً من المستحيل، بل في الحكمة التي توازن بين استخدام التكنولوجيا وتقديم البدائل الحية، من خلال دفء اللقاءات العائلية، وإعادة الاعتبار للكتاب والقصة الورقية، والهوايات الحركية، حتى يظل الجوال مجرد أداة طيعة في يد الطفل يوجهها لخدمة عقله، لا سجاناً يقبض على روحه وبراءته خلف جدرانه الرقمية الباردة.
