للذهاب الى صفحة الكاتب   

الاشوريون  في التاريخ- الحلقة 26

مقتل سنحاريب "الملك سنخيرو"

يعكوب ابونا

 

    سنحاريب الملك عندما حاصر اورشليم عام 701 ق. م تعرض جيشه حسب رواية العهد القديم الى ضربه من الملاك، وهناك من قال بانه جيشه تعرض  لوباء اصاب جنده، ومهما يكن الامر الا ان ما حدث حصل فعلا، لان معه اضطر سنحاريب الى الرجوع الى نينوى، فيذكر في سفر الملوك الثاني 19 : 36 فانصرف سنحاريب ملك اشور وذهب راجعاً واقام في نينوى" .. 

وجاء نص اشعيا 37 : 38 وفيما هو ساجد في بيت نسروخ الهه ضربه ادرملك وشراصر ابناه بالسيف ونجوا الى ارض اراراط وملك اسرحدون ابنه عوضا عنه."

 

  هذان النصان اوقع الكثير من الباحثين في التباس منهم من اعتقد ان سنحاريب قتل في نينوى. واخرون ذهبوا الى الاعتقاد بانه قتل في بابل، منهم هنري ساغس جيروت اشور ص 156، مسببين حجتهم  كون معبد "نسروخ" في بابل، حسب ادي شير في كتابه كلدو واشور ص 112، ويعتقد ان نسروخ  هو "الاله مردوخ"، وبما ان سنحاريب قتل بهيكل مردوخ، وكون مردوخ في بابل اذا قتل في بابل؟.،

وبهذا المعنى يذهب العلامة (وينكلير). كما ان بيروس المؤرخ الكلداني، تاريخ بابل فيقولان ان ابنه قتله. ويضيف ادي شير الى ان قتل سنحاريب في معبد مردوخ كان في 20 / كانون الثاني / 681 قبل الميلاد، على يد ولديه ادرملك وشراصر.

 لكن هل فعلا قتل سنحاريب في بابل؟؟ بالرجوع الى حولياته تؤكد بان في عام 689 قبل الميلاد اعاد احتلال بابل ودمرها عقابا على تمردها المتكرر، وان هذا الاجراء لم يكن مجرد تعبيرعن القسوة العسكرية، بل تحول من سياسة الاحتواء الى سياسة الردع، للمراكز المتمردة في الجنوب، وهذا ترك اثرا نفسيا وسياسيا عميقا في الوعى البابلي لا بل حتى لدى الاشوريين، لان لاله مردوخ كان له مكانه تعبدية في اشور، لذلك الكثيرين منهم بقوا ناقمين على ما فعله من خراب ببابل ومعابدها، لدرجة وصل الامر عندهم الى الاعتقاد بان الاله البابلي مردوخ كان قد تأثر ببالغ التأثر نتيجة تدمير معبده وازالة آثاره، واعتبروا ما حدث هو نزولا عند رغبة الالهة وغضبهم ..

 

وفي حوليات بابل من "الكرونيكل البابلي" عن سنة 681 ق. م، يذكر" وفي شهر طيبيتو قتل سنحاريب ملك اشور على يد ابنه في ثورة، جلس اشور- حدون على عرش اشور". نجد هنا يؤكد الاغتيال الذي جاء بسياق التمرد داخل البلاط الملكي، وانتقال الحكم الى اسرحدون، ولكن لا يذكر بابل؟

  ولكن لا يستبعد بان الذين اخذوا بفكرة قتل سنحاريب في بابلـ قد تاثروا براى وفكر الكاهن البابلي بيبروس، الذي قدم نفسه في اليونان ككاهن كلداني بمعبد مردوخ ، ولكي يعطي الاهمية لنفسه ومكانته، وترسيخ الفكر الديني اشارة الى قوة الاله مردوخ، الذي كان يخدم معبده، برد وانتقام مردوخ من الملك الذي دمر معبده ومدينته. 

 لا بل عملية قتله تمت من قبل اولاده وفي هيكل الاله العظيم مردوخ.. دلالة على غضب مردوخ؟؟.

ويذكر اشور انيبال - بعد ذلك بنحو ثلاثين سنة - أن جده سنحاريب: قد سُحق بين تمثالي إلهين حارسين. بدون اي تفسير لهذه الاشارة؟؟.

وحتى آسرحدون ابو اشور بانيبال لايشير الى مقتل ابيه في قصة ارتقائه العرش..  

  وإن كان يذكر معارضة أخويه له، واضطراره إلى قتال المعارضين وهزيمتهم قبل أن يرتقي العرش. أنه هزمهم في "هاينجالبات"، ومنها فر اثنان منهم إلى أراراط.

 

 هذه من جهة ومن جهة اخرى، وحسب الحوليات الاشورية لا نجد بان سنحاريب ابتعد عن العاصمة نينوى بعد احتلال بابل. اومكث في بابل او اقامه فيها فترة ما بعد احتلالها في 689 ق. م وحتى مقتله في 681 ق. م، رغم انه قام بالاعوام 688 – 684 ق. م بتثبيت السيطرة على جنوب بابل وشرق الامبراطورية الاشورية في مناطق زاغروس، لتامين المنطقة ومنع عودة التمرد ،بالاضافة لتامين خطوط الاتصال بين نينوى والجنوب. 

 كما قام بالاعوام 683 – 682 بتعزيز الادارة العسكرية من الجانب الوقائي، وتعزيز الحاميات في مدن الشام، للحد من الاضطرابات التي كانت تحصل هناك.

 

ويمكن تلخيص الاحداث بين عام 689 – 681  حسب النقوش الاشورية بان سنحاريب لم يقم بحملات عسكرية كبرى، بل انتقل من حالة الحسم العسكري والتدميري الى حالة عمليات محدودة وتنشيط الادارة العسكرية  للاقاليم، وذلك لترميم الاستقرار بعد الحروب والصدمات الكبرى، كما ركز على تحصين المدن الاشورية، والقيام بمشاريع بناء عظيمة. "طه باقرج1 مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة 170 – 178 " .

  وكما نجد ان الملك اسرحدون ابن سنحاريب في نصوص مسمارية يؤكد بان والده قتل على يد ابنائه اثناء تمرد حدث داخل العائلة المالكة في نينوى العاصمة، اثناء تعبده في الهيكل دون الاشارة الى وقوع الحادث خارج اطار جغرافية نينوى، ولا يستبعد بان الاله نسروخ كان من اله نينوى المعتمد في القصر الملكي الاشوري.؟

 كما في سفر الملوك الثاني : 19 - 37 – من العهد القديم (التوراة)، احد ابنائه كان (اراد – مولوشي) الذي جاء اسمه في النص التوراتي، (أدْرَملك). ((وفيما هو ساجد في بيت نسروخ الهه ضربه ادرملك وشراصر ابناءه بالسيف ونجوا الى ارض اراراط وملك اسرحدون ابنه عوضاً عنه))..

 

 في عام 1906-1907 اكتشفت في مواقع أثرية متعددة، أبرزها جزيرة الفنتين في مصر برديات ونصوص قديمة التي نعتبر هي اقدم نسخة وجدت في صعيد مصر،.

   تتحدث عن شخص اسمه (أحيقار) الذي معناه أخي الموقر، وتعتبر من أقدم كتب الأدب والحكمة في العالم، وهو نموذج للأدب المستمد من المفهوم الأخلاقي للحياة،. وحكمة أحيقار نشأت في بلاد نينوى وآشور، وترعرعت في بلاد ما بين النهرين، لتشمل الحضارات السومرية والأكدية والبابلية والآشورية، وهي تعرض الحياة الدينية والأخلاقية، لا بل الإبداع بفكر عميق ولغة بليغة. وقد حظيت هذه الحكمة باهتمام الأجيال اللاحقة، ونالت شهرة واسعة، لانها تمثل خلاصة للحكمة القديمة ..

وجرى تداولها في حينها بمنطقة المشرق، أما النسخة الكاملة الحالية فمنقولة عن نسخة سريانيّة، دوَّنها جاك إيديسَّا (708م)، ناقلًا إياها عن نسخة للقديس مار أفرام القديم (306-378م) كما يذكر في بداية نسخته،

كان (احيقار الحكيم)، وزير سنحاريب وكاتبه وحافظ اختامه، كان حكيما واديبا ورجلًا محنَّكًا، واسعَ الحكمة والخبرة والعلم والمعرفة، يُعَدُّ أحيقار واحداً من أبرز الشخصيات في الأدب الحكمي القديم الذي نشأ في منطقة الشرق الأدنى القديم. 

ان مجوعة الامثال والحكم التي انتشرت عبر حضارات متعددة، من الآرامية إلى السريانية واليونانية، والعربية. وتناقلتها من بعده الأجيال، كانت نصوص أحيقار تمثل مصدراً غنياً لفهم القيم الأخلاقية والاجتماعية التي سادت في تلك الحقبة التاريخية. والتي نفتقدها اليوم ،. وبعد مقتل سنحاريب استمر احيقار بوظيفته لدى الملك اسرحدون ..

. يبدأ أحيقار قصته اذ بذكر خبر تقدُّمه في العمرِ وعدم إنجابه ابنًا يرث حكمته ومنصبه، وتضرَّعه إلى الرب في أن يهبه ولدًا لكن ما أجيبت دعوته. عمدَ بعدها إلى ابن أخته نادان ليضمه تحت جناحه ويكتنفه في رعايته ويمحضه من معرفته وحكمته، لكن يخيب مسعاه إذ يتآمر عليه ابن أخته، ويزوِّر رسائل على لسانه، فيها خيانته للملكِ أسرحدون، ويجلب على أحيقار نقمة الملكِ الذي يأمر سيافه نابوسيماك بقتله. كان أحيقار صاحب يدٍ على نابوسيماك وغامرًا إياه بفضله، فطلبَ منه ألا يقتله ويختبئ بمكانٍ تحت الأرض. نجا أحيقار من الموت حتى جاءت الساعة التي خرجَ فيها أحيقار من مخبأه، بعد أن أرسل فرعون مصرَ رسولا إلى أسرحدون يطلب فيها رجلًا ينفِّذ كلَّ طلباته ليدفع لآشور جزيةً مدة ثلاث سنوات، وإنْ لم ينفِّذ كلَّ ما يطلبه الفرعون فعلى ملك آشور دفع الجزية لمصرَ مدةَ ثلاث سنوات.

  لم يجرؤ نادان، الذي حلَّ محلَّ خاله مستشارًا للملك، على النهوض لهذه المهمة، وتعذَّر بحججٍ لكي لا يكون هو الرجل المرسول. تدخَّل نابوسيماك هاهنا واعترف للملكِ بعدم قتله لأحيقار، ففرح الملكُ بذلك وطلبَ حضور أحيقار بين يديه. عادت حينئذ لأحيقار مكانته، وانطلقَ إلى فرعون مصرَ، وحضرَ أحيقار الحكيم بين يدي الفرعون يومًا تلوى آخر مجيبًا عن كل أسئلة الفرعون، ومنفِّذًا كلَّ طلباته حتى تلك التعجيزية منها بفضل دهائه وحكمه. اعترف فرعون بأنَّه نفَّذ كلَّ ما طلبَ والتزم بدفع الجزية لملك آشور.

عاد أحيقار منتصراً إلى نينوى، حيث استقبله الملك بحفاوة بالغة وأعاده إلى منصبه بل ومنحه مكانة أعلى.

 وطُلب من الملك أن يسلمه الخائن ابن اخته الذي رباه ليحاكمه بنفسه. جلب نادان أمام أحيقار، الذي لم يقتله مباشرة، بل وبخه بسلسلة طويلة من الأمثال والحكم التي تدين الجحود والخيانة. وبالتالي، فإن نادان لم يحتمل وزر خيانته وثقل تأنيب ضميره، لتنتهي القصة بان مات تحت سياط خاله بسُمِّ ذاته والكراهية المعتلجة في صدره " ..:

المصدر الجزء الثالث من ديوان الأساطير. ترجمة قاسم الشواف ".

        والى الحلقة القادمة  . اسرحدون خليفة سنحاريب . بعون الله .

 يعكوب ابونا ...............................26 /5 / 2026