للذهاب الى صفحة الكاتبة   

للأعين عاداتها

خديجة جعفر

 

"صيدا" مدينة لبنانية، بوابة جنوبه المنكوب، مقصد النزوح وفرصة آمنة نسبيا لاستكمال حياة تعداد أيامها يسجل على لوائح الانتظار من قواعد حرب غير موصوفة سابقا، حيث يحدث الخطر في مرحلة تلي الإبلاغ عنه، ليصبح الموت ذنبا ذاتيا، وينزاح  مسافة عن كونه الغدر بأسبقية التبليغ عنه، تحت ما يعرف ب "إنذارات الإخلاء". ِ

 

في الخبر: غارة حربية على شقة في مدينة صيدا.

في الوثائق: لا توجيهات وإرشادات مسبقة عن حالة اعتداء ولا تبليغات إخلاء.

في المشهدية: دخان، دمار، صراخ البعض وصمت أفواه الواقفين لفُسحِ الراكضين باتجاهات عشوائية أملا بإنقاذ ما يمكن إنقاذه، فصمت الجميع من غير المصابين فطرة حرب باتت معروفة للجميع ودون سابق تعلم، أنها لحظة سيادة رجالات الدفاع المدني والمسعفين. وحده رجل الدليفري، على دراجته النارية، يبدو ملفتا في هذا المشهد، لم يطفئ محرك دراجته، متوقف بانتظار جلاء اللحظة لإنجاز مهمته في مدينة لم يٓسبق الحدث فيها إنذارات الإخلاء المعتادة.

 

لإنذارات الإعتداء ان تجعل مما يتبعها من أثر، ضمن المتوقع، أمر يمكن تخيله، التهيؤ له، الحذر والحيطة منه لدرجة أننا نقف عند اسوار منازلنا نشهد دمارها ونصور اللحظة بما تبقى لنا من خفيف ما نحمل، هواتفنا، فنوثق هدمها، وكان للذاكرة متسع أن تخون مشهد مماثل، ومع تكرار المشهد تباعا، وأمام كل سائل يحمد الرب على سلامتنا، يتكثف الدخان أكثر، تعم الرمادية أكثر، تقصر الجدران أكثر، تلتهب الأشجار أكثر، تغادر الطيور أبعد وتبرد العين أكثر، فتكتسب في الرؤية عادات جديدة لا يمكن لأهل السلام إدراكها…

 

ما يجعل من عامل الديليفري مشهدا ملفتا في لحظة مماثلة، أن ينتظر فتح الطريق حتى يؤدي واجبه وينقذ جائع من جوعه بوجبة طعام ربما ستصل اليوم باردة وأن يكون وحده في المكان الخطأ من اللحظة..

 

الحياة ليست على الضفة الأخرى كما شرح لنا يوسا يوما في إحدى رواياته، الحياة في صيدا تحديدا، باعتبارها بوابة الجنوب ومقصد النزوح وليست هدفا لحرب، اقله حتى اللحظة، أصبحت خليط من تناقضات السرعة والانتظار، فالموت حربا كما الحياة طعاما، يتجاوران هنا في نفس المكان. أن يقف عامل الديليفري منتظرا في مشهدية غارة حرب، أمر ملفت حد البكاء، ليس لاعتبارات مهنية بالطبع بقدر ما يعكس هذا المشهد ما تركته الحرب فينا نحن اللبنانيون من لغط مستحدث، فللأعين أن تمتلك عاداتها ايضا، ونحن حين نهرب من الحرب، نهرب حتى لا نسمح بتغيير عادات أعيننا، وليس الهرب خوفا من موت. في المناطق المنكوبة جنوبا، بات الدمار اعتياديا، والموت والإنقاذ من تحت الركام اعتياديا، مشهد بات سطحيا من مكتسبات أبصارنا، ليبقى عامل الديليفري وما يحمل من ضرورات حياة تنتظر، هو ما يلامس أعماقنا، حين تتقارب الحياة والموت حد محو المسافات بينهما، فينتصر التعداد على المعنى من حياة على لوائح الانتظار …

 

في : ٢٨ /٥ /٢٠٢٦

خديجة جعفر .