
عملاء إسرائيل هراوات تحطم غيرها وتتحطم –
الإمارات والانسحاب من أوبك
صائب خليل
في نهاية نيسان الماضي، أعلنت الإمارات انسحابها من منظمة الأوبك منهية أكثر من نصف قرن من عضوية فعالة في المنظمة وإدارتها. ولكي نفهم معنى وتأثير ذلك على أوبك وسوق النفط يجب ان نلق نظرة على ما تقوم به أوبك، وقبل ذلك على طبيعة سلعة النفط وسوقها.
هناك بشكل عام "حرب" أسعار مستمرة بين منتجي أية سلعة وبين مستهلكيها. المستهلك يريد الحصول على السلعة بأرخص سعر، والمنتج يريد بيعها بأعلى سعر ممكن. وكلما زادت كمية السلعة في السوق، تنافس المنتجون بشكل اكبر ليبيعوا سلعهم في سوق لا تحتاج الى كل الكمية المعروضة للبيع، فيقوم البائعون بخفض سعر السلعة لتشجيع المستهلكين على شرائها. وكلما قلت الكمية المعروضة في السوق، تنافس المشترون على شرائها لتأمين حاجتهم اليها قبل نفادها، ويؤدي تنافس الشراء الى رفع سعر السلعة في السوق. وهذا ببساطة هو قانون "العرض والطلب" لمن لم يكن يعرفه.
مثلا: لو تكاثرت شركات السياحة والطيران، واحتاجت الى زبائن من السياح أكثر من المتوفر، توجب على تلك الشركات ان تخفض تكاليف السفرات السياحية لتقنع المترددين بشرائها. وبالفعل عندما ينخفض سعر تذاكر السفر والإقامة، يزداد عدد السياح، وتستقر الأسعار مرة أخرى.
وعندما تضطر شركات السياحة الى رفع أسعارها، فأن نسبة ممن كانوا يخططون للسياحة، سيتخلون عن خططهم ويبحثون عن بدائل اخرى.
لكن السلع لا تتأثر بنفس القوة بهذا التوازن. فإذا نقص سعر الملح، فلن اشتري منه كمية اكثر، لأن ما احتاجه محدد تماما، وإن زاد سعره فسأبقى اشتري نفس الكمية السابقة لأني لا استطيع ان اغير طعم طعامي كثيرا.
السلع مثل بطاقات السفر، تسمى سلع "عالية المرونة"، يتغير استهلاكها بشكل كبير عندما يتغير سعرها..
هذا يعني أنه عند زيادة المنتجين لكمية الإنتاج، فأنهم سيحتاجون الى خفض السعر قليلا، لكي يتم بيع الزيادة في الإنتاج.
والسلع مثل الملح، تسمى سلع "منخفضة المرونة"، لا يتغير استهلاكها بشكل كبير عندما يتغير السعر. هذا يعني انه اذا زاد المنتجون من كمية الملح التي ينتجونها، قد لا يكفي خفض سعرها لبيع الزيادة في الإنتاج، فيضطرون الى خفض السعر تكرارا ليهبط كثيرا، من اجل بيع الزيادة في الإنتاج كلها.
وبالطبع فأن السعر لا يتغير بالنسبة للزيادة فقط، انما لكل سعر المنتج عموما.
النفط من السلع "منخفضة المرونة"، مما يعني ان اية زيادة في الإنتاج والعرض، ستتطلب خفضا كبيرا في السعر لكي يمكن بيع الكمية المعروضة كلها. ومن هنا جاء قلق المنتجين، أن لا تؤدي الرغبة بزيادة الأرباح الى زيادة في الإنتاج اكثر مما يتحمله السوق، فتسبب انخفاضا كبيرا في الأسعار يؤذي كافة المنتجين. وهو ما أدى في نهاية المطاف الى تأسيس أوبك، وهي المؤسسة الدولية التي يتفق فيها منتجو النفط على كميات الإنتاج المقسمة على الدول الأعضاء، بحيث لا تزيد كمية الإنتاج بشكل يؤثر سلبا على السعر، فيخسر الجميع.
وفي عامي 1973 و1974، اتخذت أوبك قرارات هامة تقضي بتجريد شركات النفط الدولية الكبرى من حق تحديد كمية الإنتاج، وبالتالي أسعار النفط الخام.
لكن الدول المنتجة للنفط، تبقى معرضة للابتزاز. فإذا قررت احدى الدول (مثل اميركا او إسرائيل) ان تدفع بدولة منتجة للنفط إلى زيادة انتاجها لإغراق السوق، فسيسبب هذا دمارا اقتصاديا لكل الدول المنتجة. وهذا ما حدث خلال التاريخ مرات عديدة. فقد دفعت اميركا السعودية الى زيادة انتاجها فخفضت السعر بشكل مؤثر مما تسبب بخسائر كبيرة للاتحاد السوفيتي آنذاك، وربما تكون قد لعبت دورا في اسقاطه لاحقا.
كذلك ضغطت اميركا على الكويت والسعودية لزيادة الإنتاج لمحاصرة صدام الذي كان يئن من ديون الحرب ويعجز عن دفع أرباحها، للضغط عليه للتورط بمهاجمة الكويت بعد وصول سعر البرميل الى بضعة دولارات. وبالفعل هاجم صدام الكويت بتشجيع شبه مباشر من السفيرة الامريكية في العراق، ومضت الخطة بنتائج كارثية للعراق والكويت وكل البلدان العربية.
ما الذي يعنيه خروج دولة من عضوية الأوبك؟ ولماذا تفعل ذلك؟
إنه يعني انها لم تعد ملزمة بالسقف الأعلى للإنتاج الذي تحدده أوبك، وبالتالي تمتلك "الحرية" لزيادة انتاجها والتسبب في زيادة بالعرض في سوق النفط. وهذا يعني انخفاض أسعار النفط عموما، والضرر لكل الدول المنتجة، بما فيها الدولة التي زادت انتاجها ويسبب هبوطا في مدخولاتها. وهذا الهبوط في الدخل، قد يشجع دولا أخرى للخروج من أوبك وزيادة انتاجها، والتسبب في خفض جديد لأسعار النفط، وهكذا في دائرة قد لا تتوقف الا عند أسعار هابطة جدا، مسببة ضررا كبيرا جدا للمنتجين. والحقيقة ان هبوطا قد حدث فعلا في أسعار النفط بمجرد اعلان الإمارات قرارها.
هل كان انسحاب الإمارات من الأوبك، بدفع من إسرائيل وأميركا؟ لا احد يدري، لكنه الاحتمال الأكبر، خاصة ان ترمب كان قد هاجم منظمة أوبك واتهمها بـ "استغلال العالم". إضافة لذلك، فلا يوجد سبب منطقي لحكومة الامارات لاتخاذ مثل هذا القرار الذي لن يؤدي بالنسبة لها الا الى ضرر على المدى البعيد. لكنها ليست المرة الأولى التي تختار حكومة الامارات ان تضر نفسها بالتكفل ببرامج تخدم اسرائيل، كما تفعل حين تتكلف بمهاجمة السودان وليبيا واليمن، وأخيرا إيران، وتدفع ثمن اقتصاديا كبيرا في سبيل ذلك، بل وتعرض نفسها للخطر.
إن خروج دولة واحدة بحد ذاته ليس كارثة، وقد حدث هذا مرارا في الماضي فانسحبت اندونيسيا عام 2008 وقطر والإكوادور وأنغولا والغابون من المنظمة. لكن انسحاب الإمارات، وقدرتها على زيادة ملموسة في إنتاجها، قد يكون له أثر اكبر. والخوف الأكبر ان يؤدي ذلك الى انسحاب دول أخرى، اما بسبب الضغط المادي او بسبب الضغط الابتزازي على حكوماتها الهشة التي لا تملك ارادتها ولا تتصرف وقف مصلحتها، مثل العراق والسعودية والكويت، وعندها تصبح سوق النفط في ضياع حقيقي.
إن لدى أميركا (إسرائيل) من الدوافع ما يكفي لإحداث مثل تلك الكارثة، مثل الضغط على روسيا وإيران وتحطيم العراق، لكن بالمقابل قد تخشى استفادة الصين من ذلك. إضافة الى هذا فهناك حسابات اقتصادية وسياسية اكثر تعقيدا قد تدفعها للتردد. فإن قررت ان استفادتها من تحطيم الدول المنتجة اكبر من تضررها من استفادة الصين وتداعيات السوق، فلن تتردد بأن تفعل ذلك!
ومن هنا تأتي خطورة تنصيب حكومات عميلة الى الدرجة التي تتجاهل فيها تلك الحكومات حتى الأضرار الاقتصادية المباشرة التي تسببها إطاعتها لأسيادها، فتحطم نفسها بنفسها وتدفع شعوبها ثمنا غاليا.
