للذهاب الى صفحة الكاتب   

في الانثروبولوجيا الاجتماعية: شيعة وموارنة لبنان وعبث السفير الأميركي!

علاء اللامي

كاتب عراقي

 

في شهر أيار الماضي أدلى السفير الأميركي في بيروت ميشيل عيسى، وهو كما يشير اسمه من أصول لبنانية مهاجرة، بتصريح استفزازي خلال زيارته التضامنية للبطرك الماروني بشارة بطرس الراعي لمَّح فيه إلى تهجير الشيعة اللبنانيين من بلادهم بالقول: "إن كان لبنان لا يناسبهم ليبحثوا عن بلد آخر يعيشون فيه". وقد أثار هذا التصريح ضجة في وقتها. ورد عليه أحد نواب حزب الله، علي عمار، منددا بـ "التدخل السافر للسفير الأمريكي ببيروت في الشؤون اللبنانية، ودعوته إلى تهجير اللبنانيين من بلدهم" سنحاول تفكيك هذه الحادثة بموجب آليات البحث الانثروبولوجي الاجتماعي (Anthropologie sociale).

 

بداية الفتنة:

بدأت هذه الحادثة الفتنوية، حين بثت قناة تلفزيونية لبنانية محلية، ذات توجهات انعزالية معادية للمقاومة اللبنانية هي قناة أل بي سي آي (LBCI) التي يتولى الشيخ بيار الظاهر منصب رئيس مجلس إدارتها والمدير التنفيذي لها، مقطع فيديو مفبرك بالذكاء الاصطناعي يسخر من الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم ومقاتلي المقاومة التي يقودها. الفيديو مثَّلَ المقاومين بشخصيات كاريكاتورية مستوحاة من لعبة الفيديو الشهيرة "الطيور الغاضبة". وقد أثار هذا المقطع جدلا ذا طابع طائفي وسياسي، ورأى فيه الحزب "إساءات رخيصة". وقد انساق بعض المحسوبين على الحزب والمقاومة مع رد الفعل المتشنج على هذا الفعل المشبوه وانتقدوا زعماء دينيين آخرين كالبَطْرَك الماروني. وهنا اشتعل الجو وتناسى الجميع الإساءة الأولى، وركزوا على رد الفعل فصدرت البيانات تباعا وزار السفيرُ الأميركي البطركَ الماروني متضامناً معه وملمحاً إلى تهجير المكون الشيعي الأمر الذي أثار ردود فعل غاضبة من شتى التوجهات والانتماءات.

 

الإبادة والتهجير نتاج الفاشية الصهيوأميركية:

إن تفاقم الفاشية الصهيوأميركية يتجلى بوضوح في بلوغها درجة الإبادة الجماعية للشعوب تبث بالمباشر كما هي الحال في غزة الفلسطينية وجنوب لبنان، ومضيها قُدُما في تهجير الناجين من الإبادة الجماعية في غزة. وقد صرح بذلك قبل أيام قليلة وزراء إسرائيليون مهد لهم نتنياهو، بإصداره توجيهات تقضي بتوسيع مساحة القطاع الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية من 60 بالمئة إلى 70 بالمئة. وقال وزير دفاعه كاتس "لقد تعهدنا بأن حماس لن تحكم غزة مدنيا أو عسكريا، وهذا ما سيكون. كما سيتم تنفيذ خطة الهجرة الطوعية". وقد جرى التعتيم على تصريحات مجرمي الحرب هؤلاء من قبل الإعلام الخليجي وتولت الدبلوماسية المصرية والتركية تبريرها والتخفيف من وطأتها بإحالتها الى "مناورات انتخابية" إسرائيلية مؤقتة. وفي الأردن انتشرت تغريدة نسبت إلى الرئيس الأميركي ترامب قال فيها بضرورة تهجير بدو الأردن المناهضين للتطبيع إلى محافظة الأنبار العراقية. وتولت مواقع حكومية أردنية نفي تلك التغريدة أو التصريح. وفي هذه الأجواء تتصاعد محاولات سفراء وساسة وإعلاميين أجانب وعرب متصهينين لإثارة فتن طائفية وعرقية وقبلية بين المجتمعات العربية وكأنهم يطبقون مخططا خلاصته: "فليذبح العرب بعضهم وسنتولى نحن دفنهم والسيطرة على بلدانهم ومناطقهم".

 

هذه أدناه وقفة تأريخية تعريفية حول موضوع تشكل بعض مكونات المجتمع اللبناني وحركة هجراتها عبر التاريخ وخصوصا لدى مكونين محترمين هما الطائفة المارونية المسيحية والطائفة الشيعية المسلمة في محاولة لدحض خرافات وتخرصات الجهلة من أمثال السفير الأميركي ميشيل عيسى الذي يستعمله ترامب كخرقة مبتلة بالبنزين لإحراق المشهد المجتمعي اللبناني، ولكي نوضح واقع وحقيقة التشكل المكوناتي اللبناني قبل أن يتنطع للتلميح بتهجير اللبنانيين الشيعة وهم الأقدم والأعرق من غيرهم في أرض لبنان.

 

وقبل البدء أسجل أنني أحترم جميع مكونات الشعب اللبناني المجتمعية، وأحتفظ بمودة وإعجاب خاصين بالرفاق والرفيقات الوطنيين الاستقلاليين اللبنانيين من المسيحيين والمسيحيات الموارنة الذين رفضوا العمالة والتماهي مع سردية العدو الإسرائيلي. وبرزت من صفوفهم سيدات مثقفات وإعلاميات شجاعات تفوقن على سائر الإعلاميين اللبنانيين بمن فيهم إعلاميو المقاومة الرسميون وشبه الرسميين. وكنتُ قد نوهت في كتابات سابقة بجهود مجموعة من هؤلاء الباسلات وما أزال أتابع أداءهن الإعلامي المبهر ومنهن: رولا نصر ومايا خوري وغدي فرنسيس ورندلي جبور وسندريلا مرهج وراشيل كرم ولهن زميلات وزملاء لا يقلون عنهن بسالة وجرأة من مختلف المكونات. والغرض من هذه الوقفة التأريخية التعريف بحيثيات تاريخ مجتمعاتنا وتنوير الرأي العام بحقائقه لتعزيز مناعتها الوطنية ضد الأكاذيب والتضليل المعادي المبرمج والخلوص إلى نتيجة مفادها أن مجتمعاتنا العربية المؤلفة من مكونات دينية وطائفية وعرقية وقبائلية مختلفة تفخر بهذا التنوع وهذه التعددية طوال عمرها - هذا التنوع الذي لا نجد مثيلا له في غالبية الدول التي تصف نفسها بالمتحضرة والديموقراطية والتي قضت على التنوع النسبي فيها منذ مذبحة سان بارتيليمي (1572) التي تم فيها استئصال الوجود البروتستانتي في فرنسا خلال الحرب الأهلية التي دارت رحاها بين عامي 1562 و1598، وانتهت بزوال المكون البروتستانتي في فرنسا وهجرة الناجين من المذابح إلى سويسرا. وعلى هذا، ينبغي، في مواجهة عدو شرس وخبيث، أن تُمنح أولوية الولاء للهويات الوطنية التي ولدت وتكرست بعد استقلال بلداننا العربية وليس للانتماءات الفرعية الطائفية أو غيرها. فماذا نعرف عن الموارنة المسيحيين والشيعة المسلمين اللبنانيين؟

 

اللبنانيون المسيحيون الموارنة:

هم طائفة دينية مسيحية نشأت في سواحل بلاد الشام وخاصة في لبنان وتتبع الكنيسة المارونية (كاثوليكية شرقية). تعود تسميتهم إلى مار مارون الراهب السرياني الذي عاش في شمال سوريا خلال القرن الرابع وانتقل اتباعه بعد ستة قرون إلى جبل لبنان ليقترن اسمهم به منذ القرن العاشر الميلادي مؤسسين بذلك الكنيسة المارونية. تمكن الموارنة من الحفاظ على كيان شبه مستقل في خلال فترتي الخلافة الاموية والعباسية محافظين بذلك على ديانتهم المسيحية حتى الآن ولغتهم السريانية حتى القرن الثالث عشر. يعود أصل الموارنة إلى سوريا الحالية، وتحديداً من محيط نهر العاصي وجبل قورش (قرب حلب وحماة وأنطاكية). واكتمل تشكل الطائفة المارونية كحركة نُسكية عبادية أولا ثم كمكون هوياتي فرعي "طائفة" في القرن الخامس الميلادي حول "القديس مارون"، ثم نزحت تدريجياً إلى جبل لبنان بين القرنين السابع والعاشر الهجريين (الثالث عشر والخامس عشر الميلاديين) هرباً من الاضطهاد العثماني. وهذا يعني أن الموارنة مكون لبناني عريق ولكنهم أيضا سوريون أصلا، وأفضل القول إنهم شاميون. فالانتماء إلى الشام أعرق من الوصف الجغرافي السوري الذي ولد مع تأسيس ولاية سوريا نسبة إلى الإمبراطورية الرافدانية "العراقية القديمة" آشوريا - آسوريا في عهد الاحتلال السلوقي للفترة بين عامي 312 ق.م و64 ق.م أي لفترة أقل من قرنين ونصف. فالانتماء إلى تسميات عربية عريقة كبلاد الشام أكثر اتساقا تأريخيا واجتماعيا من تسميات يطلقها احتلال أجنبي.

 

والمجتمع الماروني أساسا مجتمع فلاحي نشط. خاض العديد من الثورات والانتفاضات الفلاحية الكبرى ضد الاضطهاد العثماني والإقطاعي المحلي. وحاولوا التخلص من الهيمنة العثمانية المباشرة، فدعموا الزعماء الموارنة (مثل عائلتي آل الخازن وآل حبيش في كسروان) توسيع نفوذ وتمرّد الأمراء المحليين، مثل الأمير "فخر الدين المعني الثاني"، سعيا لخلق إمارة مستقلة تدير شؤون الجبل بعيداً عن السلطة المركزية في إسطنبول. وقبلها حاولوا التخلص من الهيمنة العثمانية عبر طلب الدعم الأجنبي الأوروبي فبادر البطريرك الماروني "موسى العكاري" إلى مراسلة الإمبراطور الفرنسي "شارل الخامس" عام 1527 لطلب إنقاذ لبنان وتقديم الدعم العسكري. وحين تحالف الإقطاعيون المحليون مع السلطات العثمانية وتضاعف الظلم على الفلاحين الموارنة ثار هؤلاء في منتصف القرن التاسع عشر، واندلعت "ثورة الفلاحين الموارنة" ضد الهيمنة العثمانية المتمثلة في النظام الإقطاعي الذي كان مدعوماً من الولاة. ومن أبرز رموز هذه المرحلة انتفاضة الفلاحين بقيادة "طانيوس شاهين" عام 1858 التي أطاحت بسلطة الإقطاعيين في كسروان. وكان شاهين مُكارِيا مثل والده (ينقل البضائع على ظهور الخيل والبغال) وزعيما للفلاحين الموارنة الثائرين في جبل لبنان. قاد ثورة الفلاحين في منطقة كسروان عامي 1858 و1860، ضد آل الخازن الإقطاعيين في المنطقة. ثم أعلن بدعم من الفلاحين إنشاء الجمهورية مستقلة في كسروان. والعجيب أن الإكليروس الديني الماروني والقناصل الأوربيين توحدوا ضد شاهين وثورته وجمهوريته ووصفوه بالشخص الهمجي والإرهابي وذو السمعة السيئة، بينما اعتبره الفلاحون زعيما لهم ووصياً على مصالحهم حتى نهاية ثورته وجمهوريته التي حاول مثقفو اليمين اللبناني الرجعي حذفها من التأريخ اللبناني من دون جدوى!

 

اللبنانيون المسلمون الشيعة:

إنهم هنا منذ ألف عام بجذورهم اليمانية ودورهم التأسيسي في التشيع الإيراني الصفوي: إن عمر هذا المكون الطائفي اللبناني - كما تقول المصادر التاريخية والموسوعات المفتوحة - أكثر من ألف عام. ونحن هنا نتكلم عن الطائفة كهوية فرعية لكيانية مجتمعية محايدة ولكنها غير ثابتة بل عرضة للمتغيرات لكونها ذات طبيعة علائقية مشروطة بالأساس المادي للحياة والوضع السياجتماعي لهذا الأساس المادي أكثر من كونها هوية ثابتة لكيانية صماء. معنى ما تقدم أن وجود الشيعة كطائفة دينية يعود إلى القرون الأولى من العصر الإسلامي كما سنفصل بعد قليل.

 

وهم قوميا عرب أقحاح تعود جذورهم إلى القبائل اليمنية "القحطانية" والحجازية والنجدية "العدنانية" التي توغلت غربي بلاد الشام في عصر صدر الإسلام. وماتزال مدينة البطولة والتضحيات "بنت جبيل" تحمل حتى يومنا - وفق رواية بين ثلاث روايات - اسم أميرة تنوخية يمانية هاجرت من مدينة جبيل هرباً من بعض الضغوطات واستقرت في جنوب لبنان وفي البقعة التي تحمل اسم "بنت جبيل". وهناك قبائل يمانية استوطنت جنوب لبنان منها قبيلة تسمى "عاملة بن سبأ القحطانية"، ونُسبت إليها منطقة "جبل عامل/ أو عاملة". ومنهم قبيلتا "همدان" القحطانية و"عبد القيس" العدنانية اللتان استقرتا في البقاع وجبل عامل منذ القرون الهجرية الأولى وكانتا قادمتين من العراق حسب بعض الترجيحات البحثية.

 

كان يُطلق على الشيعة في لبنان اسم محلي، يبدو أنه انقرض في العصر الحديث، هو "المتاولة: جمع متاولي" ولهذا الاسم ثلاثة تفسيرات أرجحها عندي هو إنها مقاربة شعبية لمصطلح "المتأولة" من "تأويل" النصوص الدينية في المذاهب الباطنية مع ملاحظة أن الشيعة ليسوا كلهم من الباطنية فبعضهم يرفضون هذا التصنيف كالشيعة الاثني عشرية وآخرون يأخذون بها كالشيعة الإسماعيلية ولكن التسمية شاعت شعبيا رغم ذلك.

 

يشكل عموم الشيعة نسبة مهمة في المجتمع اللبناني تفوق الثلاثين بالمئة. أي إنهم المكون الثاني بعد المسلمين السنة. وهم ومعهم السنة يشكلون غالبية سكان لبنان بنسبة تتراوح بين 61% و66%، بينما تتراوح نسبة المسيحيين بين 33% و35%. ولكن الهيمنة السياسية وخصوصا احتكار رئاسة الدولة وقيادة الجيش بقيت بأيدي المسيحيين الموارنة بموجب حكم المحاصصة الطائفية الذي وضعه الاحتلال الفرنسي حين تأسست الدولة اللبنانية بقرار من الجنرال الفرنسي هنري غورو في الأول من أيلول سنة 1920 وأعلن استقلالها الشكلي في 22 تشرين الثاني - نوفمبر 1943.

 

عراقة التشيع اللبناني:

وفقاً للروايات التاريخية الأوثق، بدأ التشيع بالانتشار في المناطق التي يشملها لبنان المعاصر منذ عهد الخليفة الراشدي الثالث عثمان بن عفان. وممن ذكروا الوجود الشيعي القديم في لبنان الرحالة الفارسي الشهير ناصر خسرو سنة 437 هجري (1020م). وقد مرَّ خسرو بمدينة صور الجنوبية وعنها كتب: "إنّ أكثر أهلها شيعة إمامية، ومن بلدات الإقليم القريبة تبنين وهونين وقدس والشقيف، وأكبر مدنه صيدا ثمّ صور، وأكبر قراه النبطية وبنت جبيل والخيام/اقتبسه السيد محسن الأمين في كتابه "أعيان الشيعة" ج1 ق2 ص240 ".

 

وقد ترسّخ هذا الوجود وتوسع في جنوب لبنان "جبل عامل" نسبة إلى قبيلة "بني عاملة" القحطانية اليمنية، بفضل البيئة الثقافية والعلمية التي استمرت بالتطور رغم تعاقب الدول. وبرز منهم علماء كبار مثل الشهيد الأول محمد بن مكي الجزيني في القرن الرابع عشر. وفي عهد صلاح الدين الأيوبي، وبخلاف ما يشيعه بعض الشيعة المعادين عن جهل وتضليل للأيوبي، فقد كانت علاقة الأيوبي بالشيعة ودية أو لنقل عملية "برغماتية" بعبارة الشيخ اللبناني الشيعي جعفر المهاجر في مقالته التعقيبية على سلسلة مقالاتي دفاعاً عن صلاح الدين الأيوبي. حينها كتب الشيخ المهاجر: "فقد فتح صلاح الدين ذراعيه لكلّ مَن أتاه مُحارباً للصليبيين، من دون أدنى اعتبار إثنيّ أو مذهبيّ. وكانت القرارات القتاليّة التكتيكيّة تؤخذ في مجلسٍ عسكري، يضمّ أُمراء الجيوش، طبعاً برئاسة صلاح الدين. كان هو شافعيّاً، كأكثر أبناء البيت الأيوبي، ولكن ذلك لم يمنعه من أن يكون أُمراء جيشه من غير مذهب. بل كان أعلاهم شأناً في أيامه الأخيرة قبل وفاته أميرٌ شيعيٌّ عامليّ، هو الأمير حسام الدين بشارة الغسّاني".

 

في ظل الحكم المملوكي (منذ أواخر القرن الثالث عشر الميلادي) تعرّض الشيعة لحملات قمع وتهجير واسعة أسوة بمكونات طائفية أخرى، أشهرها "مذابح كسروان". وبسببها اضطر بعضهم على اعتماد "التقية" بطريقة الانتماء الظاهري إلى مذهب سني هو الشافعي -أقرب المذاهب السنية إلى المذهب الجعفري الشيعي - فيما يظلون يحتفظون سرا بإيمانهم بمذهبهم الآخر. بينما نزح آخرون ولجأوا إلى مناطق أكثر تحصيناً في البقاع والجنوب هربا من الاضطهاد. وفي القرن 17 الميلادي، انبعث النفوذ الشيعي وعاد إلى الظهور بقوة في جبل لبنان الشمالي. وقاده "مشايخ آل حمادة" الذين تولوا جباية الضرائب وحكموا تلك المناطق لفترة من الزمن. وهؤلاء غير "مشايخ آل حمادة" الدروز. ومع تعاظم نفوذ الأمير بشير الثاني الشهابي - هناك شبه إجماع بين المؤرخين على أنه ولد مسلماً، وعاش مقرباً من الدروز لضرورات الحكم، وتوفي مسيحياً (مارونياً) - وبدعم من السلطنة العثمانية، شُنّت حملات عسكرية انتهت بإنهاء حكم أو هيمنة مشايخ الحمادة الشيعة عام 1770، مما أدى إلى نزوح من تبقى منهم باتجاه البقاع.

 

ومعلوم أن دور شيعة لبنان كان مهما ومؤثرا خارج لبنان. وتحديدا في إيران الصفوية (1501-1736) في طورها التأسيسي. فقد كان لعلمائهم وفقهائهم دورا كبيرا في نشأة المؤسسة الصفوية الشيعية الحاكمة في إيران. وهذا بخلاف علماء شيعة العراق الذي استمروا على تقاليدهم في الاستقلال التام عن الحكام المشفوع بمعارضتهم ونقدهم عند الضرورة حتى لو كانوا من مذهبهم وطائفتهم، تساوقا مع تقليد عراقي قديم في معارضة الدولة الفوقية أيا كانت، وانتهى هذا التقليد مع الاحتلال الأميركي سنة 2003 بتحالف الشيعية السياسية العراقية مع الاحتلال. لعب علماء الشيعة من "جبل عامل" دوراً تأسيسياً محورياً في عهد الدولة الصفوية، حيث استعان بهم الشاه إسماعيل الأول لنشر المذهب الاثني عشري، وتأصيل الفقه الجعفري المؤسسي، وتثبيت الهوية الشيعية للدولة والمجتمع في إيران ومن علمائهم المشهورين في هذا السياق المحقق الكركي (علي بن عبد العالي الكركي) والشيخ بهاء الدين العاملي والشهيد الثاني (زين الدين الجبعي العاملي).

 

من هنا تأخذ خصوصية علاقة المكون الشيعي اللبناني مع إيران جذرها ومداها وينبغي تفهمها وأخذها بنظر الاعتبار عند الكتابة عن حيثيات أنثروبولوجيا واجتماعيات المكونات المجتمعية في لبنان وغيره وعدم التعويل على حماقات وجهل الساسة الطائفيين اللبنانيين والأجانب كالسفير الأميركي الجاهل ميشيل عيسى.

 

ولم تكن الظاهرة الإقطاعية ومظالمها بعيدة عن تأريخ الشيعة اللبنانيين. فقد عانى الفلاحون الفقراء الشيعة من مآسيها فلم يكونوا يملكون الأراضي التي يزرعونها، بل كانوا خاضعين لنوع قاس من "التبعية" الاقتصادية والسياسية للإقطاعي الذي احتكر حتى تمثيلهم في البرلمان، ومن العائلات الإقطاعية الشيعية المعروفة؛ آل الأسعد وآل الزين وآل الخليل. وانتفض الفلاحون الفقراء الشيعة ضد إقطاعييهم مرات عديدة كان آخرها في خمسينات القرن الماضي تحولت إلى انشقاقات وخلافات بين الأسرة الإقطاعية ذاتها. ومع بدء الحرب الأهلية في لبنان في سبعينات القرن الماضي أخذ الإقطاع الزراعي التقليدي في عموم لبنان بالضمور والتلاشي وظهرت إلى الوجود الأحزاب والزعامات السياسية والاقتصادية الحديثة ضمن الاقتصاد الخدماتي والكومبرادوري التابع.

 

خلاصة القول هي إن تلميحات السفير ورجل الأعمال والمصارف "المتأمرك" ميشيل عيسى لا تعبر فحسب عن جهله الشنيع بتاريخ البلاد التي كانت جذوره منها وبتاريخ مكونات الشعب اللبناني وهوياته الفرعية بل هي عبث غير مسؤول بالشرر الطائفي الخطر في بلد محتقن ويعاني من مآسي الاحتلال والغزو الصهيوني الدوري؛ وسواء كان عيسى يفعل ذلك عن غباء وجهل أو عن قصد وتخطيط مسبق فهو إنما يريد إثارة الفتن ويزيد من مآسي لبنان الكثيرة والتي تسببت بها الحروب العدوانية والغزوات المتكررة من قبل الكيان الصهيوني، هذا الكيان الذي لا مستقبل له - كما صرح بذلك بعض مؤسسيه - إلا بأن يحيط نفسه بكيانات ودويلات طائفية وعشائرية مارونية وسنية وشيعية ...إلخ، وتمزيق الدول القائمة اليوم وتفتيتها. ولا خلاص لهذه المجتمعات المستهدفة بالمشروع الصهيوإمبريالي إلا بالتخلي عن منظومات حكم الطائفية السياسية التي جاءت بها الهيمنة الفرنسية على لبنان والاحتلال الأميركي للعراق وإقامة أنظمة حكم اشتراكية مساواتية مستقلة تعلي من شأن الهوية الوطنية الرئيسية على حساب الهويات الفرعية؛ الطائفية والعرقية والعشائرية، هذه الهويات الفرعية التي ينبغي أن تكون مُثرية ثقافيا للهوية الرئيسية وليست منافسة ومدمِّرة لها.