للذهاب الى صفحة الكاتب   

الاشوريون في التاريخ-  الحلقة 27

الملك اسرحدون  680 – 669 ق. م

يعكوب ابونا

 

كان اسرحدون على راس جيش في غرب البلاد عندما قتل والده سنحاريب على يد اخوته "ادرملك و اشراصر" عندما كان ساجداً في معبد "نسروخ" الاله، المعبد الذي يعتقد انه كان داخل القصر الملكي بنينوى، فضرباه بالسيف فقتلاه، وعندما بلغ الامر اسرحدون اضطر مسرعا بالرجوع الى نينوى، وكان اثناء سيره بطريق الرجوع كما يقول لا يشغله شىء سوى التضرع الى الالهة كي يمنحوا وحياً، وجاءه الوحي كما يذكر في اوانه:

(( سر. لا تتوقف نحن نسير الى جانبك وسنذبح أعداءك)) . " 1"

والتقى جيش اسرحدون مع جيش قاتلي والده سنحاريب في منطقة اعالي الخابور غرب دجلة، فنشب القتال الحاد بين الطرفين، الا ان في غمرت هذا القتال انتشرت صيحة عالية بين الجنود ((هذا هو ملكنا))

فانتقل جنود الاخوين الى جانب جنود اسرحدون، وعلى اثر هذا الانتصار قدموا ممثلوا الشعب فروض الطاعة له، بصفته الملك الجديد. فجلس اسرحدون على العرش الاشوري في 18/ اذار / 680  ."2 "

  في نقش أشوري اسرحدون أنا قائد ملوك الأرض انا الملك أسرحدون اليكم أيها السلاطين والقادة أقول: الويل في لحظة استلامي السلطة، خيم فوقنا (سيدون) سيدون بطحته أرضاً ورميت الحجارة الى البحر ولمصر أصبح كلامي قانونا وأبنت لعيلام مصيرها بنظرة واحدة وأشدت عرشي الكبير على عظام الأعداء اليكم أيها السلاطين والقادة أقول أنا: الويل فمن سيسبقني؟ ومن له ان يكون مثلي؟ فمآثر الناس جميعها هي كظل في حلم عابر التفكير بالمآثر هو كتسلية طفولية  لقد اجتثثت حتى القاع كل المجد الأرضي، وها أنا أقف وحيداً مرتو بالشموخ انا قائد ملوك الأرض، أنا الملك أسرحدون، "هذا ما يقوله عنه الشاعر الروسي الكبير ف. بريوسوف 1873–1924م بصدد تعريف الشعب الروسي بالارث الحضاري الاشوري– البابليي".

 اسرحدون (اشور- أحا– إيديني) الذي يعني (الاله اشور اعطاني أخاً)  وكانت امه بابلية وكان اسمها (نكعا) وقد خلف والده سنحاريب على عرش اشور (680- 669 ) ق. م

 

هناك مدونة بابلية تقول بكلمات قليلة ومقتضبه

 "ان آلهة سومر واكاد لم تترك جريمة تمر من دون عقاب "..

ومخطوطه لاسرحدون يصف فيها مراسيم التعين على النحو التالي.

 "اني كنت الاخ الصغير لاخوتي الكبار، وبامر من اشور وسين وشمش وبل ونابو وعشتار نينوى وعشتار اربيل، اختارني ابي الذي انجبني حقيقة، من بين  معشر اخوتي قائلاً (هذا هو ابني الذي، يرث عرشي). وحين سائل شمش واداد (الهي الوحي) عن طريق الكهان، اجاباه ب (نعم) اكيد قائلين "هو ذا وريثك" فأبدى والدي الاجلال اللازم لكلام الالهة المهيب، وجمع شعب بلاد اشور كبيرهم وصغيرهم وكذلك إخوتي ذرية بيت ابي، وفي حضرة اشور وسين وشمش ونابو الهة البلاد، الساكنين السماء والارض، جعلهم يقسمون بكلام جليل ان يصونوا حقي في الوراثة. في شهر سعيد وفي يوم سعيد، وفقاً للمشيئة العلية (للالهة) دخلت بفرح الى قصر الوراثة، هذا المكان المثير للمهابة، حيث يجول جوهر الملك " 3 "

 

كان اول عمل قام به اسرحدون بعد جلوسه على عرش الامبراطورية الاشورية، هو التكفير عن ما فعله والده سنحاريب في بابل، وقد كان هو نفسه قد عينه والده سنحاريب ملكا على بابل، ولاعادة الثقة مع البابليين ورفع الغبن الذي الحقه بهم والده، امر باعادة بناء بابل، رغم ان البابليين كانوا يعتقدون بان ما وقع على بابل كان غضب الاله فقررت انزال اللعنه على المدينة سبعون عاماً.

  وهنا ظهرت مشكلة اللعنة الالهيه، كيف يمكن ازالتها، فما كان من الكهان الا ايجاد مخرجاً لتغيير نوايا الالهة، فاخذوا الكهنة دورهم الحقيقي، بطرح فكرة التقبل الذاتي، بان الالهة بدلت نواياها من لعنة المدينة الى زمن اخر، لان الاله الكبير مردوخ قد غير فترة اللعنه والحرم على بابل بتبديل او كما قيل بانه قلب كتاب القدر راساً على عقب وامر بتجديد المدينة في السنة الحادى عشرة – من تاريخ هدمها، وذلك بتحويل الرقم (70) في الخط المسماري بعد قلبه الى الرقم (11)  مثلما يتحول الرقم (9) الى الرقم (6) عند قلبه .- " 4 "

 وتصادف السنة الحادى عشر السنة الاولى لعهد اسرحدون، فعمل في بابل اولاً ان حول عنها قنوات المياه التي كان سنحاريب قد مزق بها بابل، وجعلها ان تتحول مساكنها الى ارض غصبة لنمو القصب، والنباتات البرية التي اخذت بتغطية المدينه. فامر الجميع ان يحملوا (السلة) على رؤوسهم  وفعل هو ذلك، وكان هو اول المشاركين في حملة البناء (معبد مردوخ – ايساغيلا) وسور المدينة، مشاركاً العمال في صب القرميد، فاعادة تجديد المدينة وقام بتوسيعها ورفع شانها واعاده لها اعتبارها ومكانتها وعظمتها بين المدن, باعادة هيبة بابل ووقارها جلبت رضى الاله مردوخ والاله الاخرى وموافقتها على الرجوع والعوده من اشور الى بابل، فاعيد تنصيبهم في معابدهم ببابل، .

 

 كان لسياسة حسن النية التي اتبعها اسرحدون مع البابليين، نتائج حسنة لان اهالي بابل قابلوها بالارتياح شديد، رغم ان عملية اعادة بناء بابل استغرق كامل عهد حكم اسرحدون وحتى سنة تسلم ولي عهده "اشوربانيبال العرش عام 669 ق. م " كما يقول جورج رو ص 434 " .

   فاخذوا البابليين جانب التقرب مع الاشوريين، ونشئ من ذلك استقرار جنوب وادي الرافدين، خلال بقية حكم اسرحدون، وقد ترك لقواده مهمة التصدي للعيلامين في سيبار، الا ان المحاولة التي قام بها زعيم  قبيلة بيت ياكين (نبو- زير- كينيش- ليشير- بن– مردوخ بلودان) بالاستيلاء على مدينة (اور) عام 680 قبل الميلاد، فطلب حاكم اور المدعو (نينكل– شوميدان) النجدة من اسرحدون فاستجابة اسرحدون لهذا النداء وتصدى له الجيش الاشوري فهرب ليشير بن مردوخ بلودان الى عيلام حيث لاقى حتفه على يد ملك عيلام (هومبانحلداش الاول)، والملفت بان اخوه (نائد – مردوك) كان قد رافق اخوه في هروبه الى عيلام. وعندما وجد ان ملك عيلام قتل اخيه الذي التجئ اليه. فما كان منه الا ان يهرب من عيلام الى نينوى وطلب اللجوء من اسرحدون الذي لاطفه وارجع له ملك والده مردوخ بلودان. وعينه ملكا على بلاد البحر ولكن تابعا للملك اسرحدون وفرض عليه الجزية.. "5 "

ان العلاقات التي اسسها اسرحدون مع البابليين قد تجاوز مرحلة التعاطف لدرجة ان البابليين تصدوا بانفسهم للملك العيلامي ( همباهالداش الثاني)، كما سهل اسرحدون عملية اعادت المهاجرين من اهل بابل واعادة اسكانهم من جديد في المدينة، واعادة لهم امتيازاتهم المدنية واعفاهم من الضرائب، واعادة الاعتبار لكهنة المعبد، فاستانفت من جديد طقوس العبادة في معبد (الايساغيلا) معبد مردوخ، ومنح مواطني المدن البابلية امتيازاتهم القديمة.

 

  لقد واجه اسرحدون مشاكل في الغرب والشمال الغربي، فقد هاجمت اراراتو بعض الشعوب منها "السينديون" والمعرفيين حسب المصادر المسمارية باسم "اشكوزايا" ولقد اقام اسرحدون بحلف مصاهرة مع احد امرائهم، ولا يستبعد بانه تحت ضغط هؤلاء ظهرت مجموعات من "السيميريين" مرة ثانية بعد ان عبروا جبال طوروس عام 679 ق. م قاموا بتهديد منطقة تاباك وولاية "هيلاكو" واثاروا هياج حكام كليكية، فسارع اسرحدون بشن هجوم خاطف على ملكهم "تيوشيا" وجنوده فقطعهم بالسيف كما داس على اعناق المتمردين في كيلكية. نجحوا الاشوريين بالقضاء على حركة هؤلاء الذين انسحبوا وتراجعوا خلف نهر قزل، ولكن هؤلاء زادوا عنفا في عام 673 ق.م فهددوا ولاية شوبرايا، وفي نهاية حكم اسرحدون خسرت الامبراطورية الاشورية ولايتي هيلاكو وتابال. " 6 "

كما اثبت اسرحدون بان بامكانه ان يكون حنونا ورفيقا برعاياه، الا انه كان بمقدوره ان يكون شديد العقاب، فعندما قام ملك سيدون "منطقة فينيقيا" عبدي ملكوتي" باعلان العصيان عام 677 ق.م القى القبض عليه وقطع راسه/ كما مزقت مدينة سيدون، ورميت في البحر." والحقت ارضها بمدينة صور المنافسة، هذه الاجراءات الصارمة امنت السلام والامن على ساحل البحر الابيض المتوسط، فكانت فرصة لاسرحدون ان يتوجهة الى معالجة القلائل التي عمت الحدود الشمالية الشرقية للامبراطورية " كما يذكر جورج رو ص 434 ، " .

 

 ومن الجانب الاخر اخذ اسرحدون يولي اهتمام شديداً للميديين، كانوا الميديين يشكلون قبائل منتشره في شمال ايران، وخاصة الجنوب الشرقي من بحيرة وان، والذين كانوا خاضعين شكلا للسيادة الاشورية الا انهم كانوا محتفضين باستقلالهم عمليا، فاخذ يقدم لهم العون العسكري لزعمائهم، ضد الحركات المتمرد عليهم، وهذا ما جعلهم اصدقاء لابل حلفاء لاسرحدون في حربه وصراعه مع العيلاميين، ومن الاهمية بمكان ان نجد اهتمام اسرحدون بعلاقات جيد بالميدين، وقد تجاوزت هذه العلاقات الى اقامت المعاهدات السياسية مع الامراء الاميديين، وكان ضمن تلك المعاهدات التزام الامراء بدعم اسرحدون بما يتعلق بتوريث العرش الاشوري بعد موته.

 

الى الحلقة القادمة ومسيرة الملك اسرحدون ..

 يعكوب ابونا ............4 / 6 /2026

 

المصادر

1-هنري ساغس جبروت اشور ص 1582-

2-جورج رو العراق القديم  433

3-ادي شير كلدو واثور 114

هنري ساغس جبروت اشور 158

4-جورج رو 434

5-هنري ساغس عظمة بابل 125

ادي شير 115

 مجلد سومر جزء 1 و2 ص 70

 عزيو برخو الاشوريون 36

6- هنري ساغس عظمة بابل 126