
الجنةُ لا تحتفلُ بعيدِ ميلادٍ... إنها الميلادُ نفسُه
سعيدُ إِبْرَاهِيمَ زَعْلُوك
في كل عام، وفي مثل هذا اليوم، نكتبُ على الجدران: "عيد ميلادك في الجنّة سعيد."
نكتبها لأمٍّ رحلت، لأخٍ كان يملأ البيت ضحكًا، لحبيبةٍ غابت، أو لصديقٍ لم يُكمل معنا الطريق. نكتبها ونظنّ أننا نواسي، أننا نرسل وردًا من الحنين عبر الغيب. لكنّ الجملة على جمالها العاطفي، تفتقرُ إلى شيء: إلى التأدب مع المقام.
فالجنة، يا صاحبي، لا تحتفل بأعياد الميلاد كما نفعل نحن هنا. الجنة لا تضع شموعًا على كعكةٍ من سكر، ولا تُعدّ الهدايا، ولا تنشر البالونات. الجنة ليست امتدادًا لما نفعله نحن في الدنيا، بل هي نقيضُه الجميل.
هناك، حيث لا وقت، لا حاجة لتقويمٍ يتعقّب العمر، ولا لخوفٍ من الشيب، ولا لعددٍ يُكتب على حائط.
في الجنة، لا أحد يكبر، لأن أحدًا لا يشيخ.
ولا أحد يحتفل بيوم ولادته، لأنّ كلّ يوم فيها هو بدءٌ جديد، ميلادٌ لا نهاية له، حياةٌ لا يعتريها موت، نورٌ لا ينطفئ.
فلماذا نُسقط طقوسنا الأرضيّة على من فارقونا، وكأنّهم ما زالوا معنا في تفاصيل التراب؟
أليس أدعى بنا أن نقول:
"جعله الله من المولودين حقًّا في دار البقاء"،
"نسأل الله له فرحةَ النعيم التي لا تُقارن بيوم ميلادٍ على الأرض"،
"اللهم بلّغه عيدًا من نورٍ لا يخفت، في جناتٍ لا يُنسى فيها الفرح."
علّمنا الموت أن نصمت أمام عظمته، وأن لا نُحمّله عبث مجازاتنا.
فالموت ليس سطرًا أخيرًا، بل هو بوّابة عبور.
هو انطفاء هنا... لإشراقٍ هناك.
هو وجعُ الفقد لنا، وراحةُ الوصول لهم.
إن أردتَ أن تهدي فقيدك شيئًا، فلا تكتب له منشورًا بعنوان "عيد ميلادك في الجنة"،
بل ادعُ له دعاءً صادقًا بينك وبين ربّك،
قدّم صدقةً، أو اقرأ له سورةً تسكنُ بها روحه،
ذاك هو العيد الحقيقي الذي يصله،
ذاك هو الحبّ حين يُترجم إلى رحمة.
في الجنة... لا أعياد ميلاد،
لأنّ الجنة هي الميلاد،
هي الأصل، والغاية، والمقام الذي لا يعادله يوم.
سعيدُ إِبْرَاهِيمَ زَعْلُوك
