
غيابٌ في منتصف الحوار
صالح مهدي محمد
تبدأ القصة دائماً بحماس شديد؛ يرسل لك صديقك رسالة يسألك فيها عن أمر هام، أو يطرح موضوعاً شيقاً يتطلب رأيك على عجالة، أو يسألك عن صديق، أو يطمئن على أحوالك. تترك ما في يدك، وتتفرغ له بكامل جوارحك، وتبدأ في كتابة رد مفصل ومطول تضع فيه عصارة خبرتك وتفكيرك. تضغط على زر الإرسال، وتراقب الشاشة بانتظار ظهور عبارة "يكتب الآن..."، لكن بدلاً من ذلك، يحل صمت أبدي غامض، وتتحول العلامات بجانب رسالتك إلى اللون الأزرق، لتعلن بوضوح أن الطرف الآخر قد قرأ الكلام.. ثم تبخر في الهواء!
هنا نصل إلى واحدة من أحدث الظواهر الرقمية الطريفة والمنتشرة بكثرة في أيامنا هذه؛ ظاهرة "الاختفاء المفاجئ في منتصف المحادثة الحية". إنه ذلك السلوك العفوي الذي يمارسه بعض الأصدقاء، حيث يملك أحدهم القدرة على افتتاح حوار ساخن، ثم يختفي فجأة دون إشعار مسبق، وكأنه قد اختُطف من قِبل كائنات فضائية في وضح النهار، ليتركك وحيداً تتأمل شاشتك الزرقاء وتسأل نفسك: "هل قلت شيئاً خاطئاً؟".
المفارقة الطريفة في هذه العادة تبدأ من "التأويلات النفسية" التي نصنعها في غيابهم. في الساعة الأولى، يظن المُستَمِعُ أن صاحبه قد تعرض لحادث طارئ، أو أن هاتفه قد سقط في الماء، أو أن اجتماعاً مفاجئاً قد داهمه. لكن الصدمة الحقيقية تقع عندما تفتح إحدى منصات التواصل بعد ساعات، لتجد أن هذا الصديق "المختفي" قد قام بالإعجاب بمنشور، أو شارك مقطعاً مصوراً طريفاً قبل دقائق! هنا تدرك أن المسألة ليست حادثاً، بل هي ببساطة "فلسفة الهروب الرقمي اللطيف".
وتصل الدراما إلى ذروتها في طقس "العودة وكأن شيئاً لم يكن". بعد مرور يوم كامل، أو ربما يومين، يظهر اسم الصديق مجدداً على الشاشة برسالة جديدة تماماً، تتجاهل كلياً موضوع الحوار السابق المعلق في الفراغ، وتبدأ بعبارة: "صحيح، نسيت أن أقول لك..."، أو يرسل لك رمزاً تعبيرياً ضاحكاً على قصة أخرى. هذه القدرة العجيبة على القفز فوق التواريخ والأسئلة دون تقديم أي اعتذار أو تبرير، هي ميزة فريدة يملكها "سندباد المحادثات" وحده.
وعندما تلتقي به وجهاً لوجه في المقهى وتعاتبه ضاحكاً: "لماذا تختفي دائماً وتترك رسائلي معلقة؟"، يأتيك الرد فوراً بكامل البراءة: "اعذرني يا صديقي، قرأت رسالتك وأنا أقود السيارة، وقلت في نفسي سأرد فوراً عندما أصل، ثم نسيت الأمر تماماً!". وهي الحجة الجاهزة التي تمحو كل عتب، وتعيد الحوار إلى مجراه العفوي الطبيعي.
إن هذه المفارقة اليومية، برغم ما تحمله من استفزاز طفيف وضياع للوقت، تعكس جانباً من تشتت العقل المعاصر في ظل كثرة النوافذ والتطبيقات. نحن نعيش في عصر يطالبنا بالاتصال الدائم، فصارت هذه الانسحابات المفاجئة والخاطفة، من قِبل بعض الأصدقاء، بمثابة رغبة غير واعية في أخذ استراحة قصيرة من صخب الكتابة الفورية، حتى لو كان ثمنها ترك الأصدقاء معلقين خلف الشاشات.
ومع مرور الوقت، يَعْتَادُ المرء على طباع أصدقائه ويتقبلها بنوع من الرضا التام والضحك. تمسك بهاتفك لترد على رسالته الجديدة التي أرسلها قبل قليل، فتكتب له سطراً واثقاً، وتضغط إرسال، ثم تغلق التطبيق فوراً وتمضي في طريقك، متمتماً بابتسامة: "هَذِهِ المرة.. أنا من سيختفي ويتركه ينتظر!".
