للذهاب الى صفحة الكاتب   

من رحم النضال /1

د. مزاحم مبارك مال الله

 

 

نعم، كان بيتنا حالَ أغلبِ البيوتِ الوطنية، والشيوعية تحديدًا؛ إذ كانت تشيع في أجوائه مصطلحات الديمقراطية واليسارية والشيوعية (وبطبيعة الحال، نحن صغار لا نفقه منها شيئًا). وكان الفضل في ذلك يعود إلى توجيهات الحزب بالتوجه إلى العائلات أولًا، ثم الانطلاق بعد ذلك إلى الشارع — وهذا ما عرفناه وأدركناه لاحقًا — ثم يأتي الفضل الثاني لإخوتنا الكبار وبعض أقاربنا.

لذلك، من كان يريد أن يكسبنا إلى اتحاد الطلبة العام، أو اتحاد الشبيبة الديمقراطي العراقي، أو حتى الحزب، لا يحتاج إلى جهد كبير مع أيٍّ منا؛ فقد كنّا جاهزين، وعشنا — على الأقل أنا شخصيًا — أجواء السرية، والصوت المنخفض، والحذر الأمني، وعدم البوح بأي معلومة إلا لذوي الشأن. لقد تدربنا على الكتمان. باختصار، كنا نمتلك مفاتيح العمل السري... وما أحلاها.

 

كان بيتنا في منطقة البياع ببغداد، وكنا من بين عشرات آلاف البيوت التي هبّت عليها الريح الصفراء/ السوداء البعثية القذرة في 8 شباط المشؤوم. كنت حينها بين السابعة والثامنة من عمري.

أُلقي القبض على أخي (صبحي) قبل الانقلاب الأسود بثمانية أيام، جراء التراجع الديمقراطي الرهيب الذي أصاب ثورة 14 تموز، ولأسبابٍ معلومة لا أريد الخوض فيها. وأنا أكتب هذه الشهادة للتأريخ، عدت بذاكرتي إلى ذلك اليوم، يوم الخميس الممطر، قبل الانقلاب البعثي المشؤوم بأسبوع، وكانت الشمس تميل إلى الغروب. فإذا بالباب الخارجي يُطرق بقوة، فركضت لأرى من الطارق، فإذا بي أمام شخص بدا لي طويل القامة، نحيفًا، لم أتمكن من تشخيص وجهه بسبب الظلام الذي بدأ يلف المكان (ولاحقًا عرفت أنه أحد مناضلي آل الحيدر، ومن أقرباء الشهيد البطل القائد ستار خضير). وقال لي بصوت منخفض وسريع جدًا:

هل عندكم في البيت شخص كبير؟

• فقط أمي..

وجاءت أمي مهرولة، مفزوعة:

خالة، هذا بيت صبحي؟

• أي يمّه... شبي صبحي؟

الأمن قبضوا على صبحي... نظّفوا البيت!

واختفى بسرعة البرق،

سقطت أمي مغشيًا عليها، إلى أن أفاقت. تجمع الإخوة المتبقون، وخالتي التي كانت قريبة من بيتنا. ولهذه الأحداث قصة طويلة.

 

بعد سيطرة الانقلابيين المجرمين، أُلقي القبض على أخي الكبير (حسني)، وعلى عدد غير قليل من أقاربنا وخاصتنا. كما أنني رأيت الدبابة الكبيرة تقف في شارعنا، وصور الدم والقتل والإجرام الفظيع الذي اقترفه البعثيون. كل هذه خلقت عندي كرهًا فطريًا — إن صح التعبير — للبعثيين وأشباههم.

الذكريات كثيرة وعميقة، وتفاصيلها مؤلمة...

 

عاشت البلاد ركودًا اقتصاديًا، وتوقفت كل الأنشطة الدالة على نبض الحياة في المجتمع العراقي. ولم يتداول العراقيون، طيلة أكثر من ثمانية أشهر، سوى أخبار استشهاد فلان، واعتقال فلان، وسجن فلانة، واختفاء هذه العائلة أو تلك. بمعنى أن العراق صار مختبرًا فعّالًا لكل السلوك الإجرامي الذي خُطِّط له خارج الحدود، وتم تنفيذه على أيدي فاشيي العصر، البعثيين الأنذال.

ولما كان والدي صاحب مهنة الصياغة، فقد عمّ تأثير الركود وصمت الأسواق مهنته وتجارته، فأصبحت المعيشة صعبة من جانب، والمطاردات السياسية من جانب آخر.

المهم، شددنا الرحال إلى أكثر من بيت نستأجره، إلى أن حطّ بنا الترحال في بيت أحد الصاغة المندائيين في البياع نفسها، شارع رقم 13. وهو العام الذي أصبحت فيه في المتوسطة. أما إخوتي وأخواتي جميعًا، فكان كلٌّ حسب مرحلته، وكنا جاهزين للعمل في الاتحادات الديمقراطية والحزب. الجميل أن أغلبنا — نحن أبناء وبنات هذا البيت — كنا مرتبطين بالعمل السري، لكن أحدنا لا يبوح للآخر.

 

كنت، عام 1969 /1970، في الصف الثالث المتوسط (متوسطة المعتصم للبنين)، وفي داخلي كنت أشعر أني أحتفظ بسر كبير (بيني وبين نفسي: أنا أحمل سرًا خطيرًا أختلف به عن كل هؤلاء الطلبة). جاءني أحد الزملاء، واسمه محمد رضا (وكنت أظنه بعثيًا كونه اكبر مني، وكذلك بسبب كثافة شاربيه). فانتحى بي جانبًا، وبصوت دافئ، كله احترام، قائلًا:

"أخ مزاحم، من فضلك، أريد أن أتحدث وياك... ممكن؟"

فقلت:

أهلاً محمد... تفضل.

وإذا به يبادرني قائلًا:

(يتبع)