
المليشيات والدولة من الاعرق في العراق (2/2)
عبد الامير الركابي
يقول الملك فيصل الاول بعد عشر سنوات على ركوبه السفيته المصطنعه التي فبركها له الانكليز، (( كل ذلك يضطرني ان اقول بان الحكومة اضعف من الشعب بكثير، ولو كانت البلاد خاليه من السلاح لهان الامر لكنه يوجد في المملكة ما يزيد على المائة الف بندقية يقابلها 15 الف بندقية حكومية، ولا يوجد في بلاد الله حكومه وشعب كهذه"(2) وكالعادة فان الاستثناءات الفاضحه التي يلقيها الواقع بوجه المتصدين لهذا الموضع من العالم بما يمكن من ممكنات ادراكية دنيا، لا تثير لديهم اية رغبه في قبول حال الاستثناء والبحث في مقوماته، ونحن هنا امام ما يسمونه "الدولة" بشهادة المسؤول الاول المستجلب من الخارج البلاد، على بساطة الامر، فلادولة في العراق ولن تكون، والمائة الف بندقية هي العراق الحديث بتشكليته المستمرة من القرن السادس عشر في ظل البرانيه الانهيارية، وان تكن من دون كيانيه بفعل طبيعتها المضادة للكيانوية، ولما يعرف بالدول، بما يضع فيصل في باب الغفله الكلية والجهل المطلق ازاء الحقيقة المجتمعية الازدواجية الكبرى المنبعثة في دورتها الثالثه الراهنه ضمن اشتراطات الانقلاب الالي.
ولنقارن الان بين ما يصفه فيصل الاول من وجود مائة الف بندقية بيد الشعب، والمجاميع والحركات المسلحه اليوم، حتى لا نذهب الى النظر للقائم المعاش على انه حالة استثناء او مستجد بعينه، ومع الاختلاف النوعي والكلي بين الحالتين مع اخذ حثالية الظاهرة الحالية بالاعتبار، لنتذكر ان المنتفك بقيادة ثويني العبدلله، ومعه حمد ال حمود شيخ الخزاعل وسلمان الشاوي احد امراء عبيد، قاموا عام 1787 بثورة حررت العراق من بغداد الى الفاو، وانها طالبت باسناد ولاية بغداد الى ثويني العبدالله "الاسد الذي يحميها من العجم ويؤمن الطرق"(3) كما جاء نصا في المذكرة المرفوعه من قبل الثوار والاعيان من البصرة الى الباب العالي، وليس حدث الانتفاضة الثلاثية المذكور هو الاول من الافعال الدالة على حضور الكيانيه التشكلية الحديثة بصيغتها القبلية الابتدائية، قبل الثانيه الانتظارية لدولة اللادولة الاجتهادية النجفية التي بدات تتكرس بعد الانتفاضة السالفة ابتداء من القرن الثامن عشر، هذا والمنتفك قامت قبل ذلك في 1779بتحرير البصرة من الصفويين، واجهزت في معركة لاحقة على الجيش الصفوي برمته من دون اي تدخل للعثمانيين الذين كانوا يستعينون مابين 1749 ـ 1831 بالمماليك للابقاء على شيء من نفوذهم في العراق لصعوبة المهمة وضخامة كلفتها، والمعلوم ان العثمانيين حين وصلوا العراق وجدوا مغامس المانع شيخ مشايخ المنتفك حاكما للبصرة فابقوه في مكانه، وان فترة وجود العثمانيين عرفت ما يقرب من 150 انتفاضة وتمرد مسلح بما لا يترك اي مجال الى نفي حكم العثمانيين كما غيرهم من قبلهم للعراق، وبقاء سلطات الدول المتعاقبة على مدى يزيد عن السته قرون محصورا داخل بغداد والمدن الكبرى، مع استغلال هو خاصية دائمه، لعدم ميل او رغبه العراق الاسفل بالاستقلال المحلوي، لتعارض كينونته الكونيه مع اشكال وصيغ الكيانات المحلوية المختلفة "وطنيه" او " قومية" كانت.
ليس الحاصل هنا مجرد خطأ عابر او نكوص معتاد بازاء ظاهرة عامه، فالحالة العراقية مابين النهرينيه هي داله كبرى تتعلق بالقصورية العقلية البشرية ازاء اهم مافي الظاهرة المجتمعية من حقائق مغفله مطوية، وغير مزاح عنها النقاب، ونجد امامنا لهذه الجهه حالة اولية يمكن ان توحي بالتشابه، اهمها ماقد ظهرفي اوربا الحديثة بخصوص "الطبقات" و "الصراع الطبقي"، كما الظاهرة المجتمعية بوجه العموم كمعطى يمكن ان يكون خاضعا للقراءة، وهو ماظل غالبا حتى القرن التاسع عشر مع اوليته وابتدائيته الموصوله ببدايات الانقلاب الالي، وماقد تسبب به من تسريع للديناميات المجتمعية والعقلية بانتظار الانتباهة العظمى التي معها فقط تكتمل اشتراطات الانقلاب التحولي الالي التكنولوجي، مع انبثاق الرؤية اللاارضوية الازدواجية المجتمعية مابين النهرينيه، والتي تتمثل كونيا في:
ـ ازدواجية الظاهرة المجتمعية ارضوية/ لاارضوية مع غلبه الاولى المؤقتة الطويلة بفعل الانتااجية اليدوية.
ـ تضمن الازدواج الاصطراعي المجتمعي غاية ومستهدف العملية المجتمعية الانتقالية غير المزاح عنها النقاب، من الصيغة المجتمعية اليدوية الجسدية الى العقلية.
ـ وجود بؤرة للاصطراعية الازدواجية محكومه لقانون الدورات والانقطاعات، تمر بدورتين غير قابلتين للتحقق، بينهما انقطاعان، وثالثة اخيرة هي دورة انتهاء الطور اليدوي، وبدء توفر اسباب الانتقال التحولي اللاارضوي على مستوى وسيلة الانتاج التكنولوجية، حين تنتهي ساعتها صلاحية المجتمعية الارضوية وفي مقدمها الكيانات والدول المحلية.
ـ تخالف البؤرة الاصطراعية الازدواجية كينونة ووجودا اشكال التجسد الكياني المحلي الوطني والقومي، واشكال الدول، ولا تخضع لها على مر تاريخها بما هي كينونة غير مدركة عقليا، كونية مستقبلية متوافقة مع اشتراطات التحول الاعظم من الارضوية الى اللاارضوية، ومن الكائن البشري الازدواجي ( عقل/ جسد) "الانسايواني" الانتقالي بين الحيوان والانسان، الى الكائن الانسان / العقل.
ـ تبدا الاصطراعية الاولى ضمن البؤرة الازدواجية ابان الطور اليدوي افنائية ذاتية، ( بابل ممثلة الدول الارضوية ضد سومر)، لتنتقل مع بدايات الانقلاب الالي الى شامله على مستوى المعمورة، والرد المعاكس عليها مع حضور اشكال التحقق والتجلي (الفكرة/ المجتمع) بصيغتها الثانيه العليّة السببية المنتظره، بدل الحدسية النبوية كما كانت ابان التعبيرية اللاارضوية البدايه / الابراهيمه الحدسية النبوية، واختراقيتها للمجتمعات الارضوية تثبيتا للازدواج بصيغته الاولى المناسبه لطور الغلبة الارضوية اليدوية.
ـ عنصران هما حاجة عضوية يحكمان بدء تحقق اللاارضوية، الانتقال للتكنولوجيا العليا العقلية، وانتهاء صلاحية الارضوية دولا وكيانات ومنظور، وهو الحاصل من هنا فصاعدا على مستوى المعمورة، تحت ظل تفاقم التازم الكياني للامبراطورية الامريكية المفقسة خارج رحم التاريخ، والمتصدرة للنموذجية الابتدائية التوهمية الاوربية المواكبه للانبثاق الالي والذاهبه الى الانطفاء والزوال.
لم يعد التكرار الببغاوي لمفاهيم التوهمية الغربيه الارضوية والحديث عن "الدولة" و "المليشيات" في العراق مجرد انحطاط قصوري فكري، او من قبيل الجهل القصوري التاريخي، اذ تحول الى جريمه لابحق الموضع المقصود، بل على مستوى الوجود البشري ككل، فالمسار الحال على المجتمعات البشرية قد قارب لحظة الانتقالية العظمى الى اللاارضوية والا ستذهب المجتمعات الى الفناء، وهو ماقد صارت المؤشرات تتزايد دالة على بدء سطوة دينامياته على الوجود البشري، وفي مجتمع وجد اصلا منطويا على الحقيقة الكبرى الوجودية الانتقالية، وعاش تاريخه الاطول بين التواريخ تحت فعل الياتها وقانونها المقرر من قبل الطبيعىة و"ديالكتيكها" الحقيقي لاالزائف المستعمل قصوريا وكانه نقله فاصلة في اللحظة الانقلابيه الافتتاحية، حيث العراق انتظارية تشرينيه للنطقية اللاارضوية الكبرى، مقابل شبح متبقيات باليه، خرجت من دائرة الزمن، فالعراق اليوم، والعقل العراقي، امام مهمه اخرى اكبر من اختراع الدولاب والعربة والكتابه، وتقسيم الوقت الى ايام واشهر واسابيع وساعات، انه موكول راهنا بانقاذ الجنس البشري، وبشرط الانتقال به من الجسدية اليدوية التي انتهت صلاحيتها الى العقلوالاكوان العلياغير المرئية بعدما ادت الكرة الارضية مهمتها الانتقاليه، واقتربت لحظة مغادرتها من بوابة مابين النهرين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يراجع / محمد سلمان الحسن/ التطور الاقتصادي في العراق: التجارة الخارجية والتطور الاقتصادي 1864 ـ 1958/ ص 27.
(2) المذكرات موجوده كامله على " غوغل" لمن اراد الاطلاع.
(3) انتفاضة سنة 1787 العربيه الثلاثيه ضد حكم المماليك في العراق/ محمد حسن علي/ مجلة افاق عربيه السنة الرابعه العدد 11 تموز 1979 .
