
من رحم النضال/ 4
د. مزاحم مبارك مال الله
في اليوم الثاني قلقتُ كثيراً؛ فقد مرّت الفرصة الأولى والثانية والثالثة ولم يظهر محمد، ولم أره في الصف، إذ حاولتُ أن أسترق النظر إلى الجهة الخلفية. وأول ما طرأ ببالي هو أني قد وقعتُ في الفخ!
لم أجرؤ على السؤال عنه من جودت كاظم تحسّباً، فأنا لا أعرفهم جيدا، كان يوماً دراسياً ثقيلاً جداً… قلق، وتوجّس، لا أعرف ماذا أفعل. رجعتُ إلى البيت وأنا أشعر بالانكسار والخيبة؛ فقد كنتُ فرحاً بأن أبلّغ محمد بموافقتي على الانضمام إلى الاتحاد.
كنتُ غير مستقر، متوتراً، حتى بدا ذلك واضحاً على تصرفاتي في البيت. لم تكن لديّ شهية للطعام، ولم أراجع واجباتي كما أفعل كل يوم. لا لشيء، إلا لأن الشعور تملّكني بأني سأسبّب مشاكل أمنية لإخوتي ولعائلتي، بسبب أني ربما قد بلعتُ الطُعم....!
وأخيراً استسلمتُ للواقع، وركنتُ إلى تحضير واجباتي. وفي المساء، قبل الغروب، إذا بي أسمع طرقاً على الباب الخارجي، لكن الحقيقة أن الطرق كأنه انفجارات في قلبي. لم يذهب أحد منّا لفتح الباب ومعرفة من الطارق. ذهبت الوالدة (لها الرحمة والذكر العطر)، وبعد دقيقة أو أقل سمعتها تنادي:
"مزاحم… صحبانك بالباب!"
زاد قلقي؛ فالوالدة تقول "صحبانك"! يعني أكثر من واحد، وهاجسي يقول: مؤكد ليس محمد. ذهبتُ مسرعاً في لحظات قصيرة، وكأن شريطاً سينمائياً يمر أمام ناظري: كيف سيعتقلونني ويعتقلون من في البيت؟ فإذا بي وجهاً لوجه مع جودت كاظم و ع. سلّما عليّ بحرارة، وأبديا أسفهما على المجيء من دون سابق خبر. رحّبتُ بهما، لكني لم أجرؤ على دعوتهما للدخول، رغم وجود حديقة في البيت تتّسع لاستقبال الأصدقاء والضيوف، إذ لم يكن في بيتنا غرفة للضيوف (أو ما يُعرف بغرفة الخطّار أو الديوانية).
بادر جودت مباشرة حينما شعر بارتباك "محمد يسلّم عليك، وأرسل لك هذه… حطّها بجيبك ولا تشوفها لأحد… ويرسل لك سلامه، وباجر راح يشوفك بالفرصة… مع السلامة."
اختفيا بسرعة فائقة في الشارع الذي بدأ الظلام يغلفه، دخلتُ وأغلقتُ الباب الخارجي شاعراً بالأمان، بعدما تبددت مخاوفي وزالت أسباب القلق؛ فلم يكن الطارق من مرتزقة الأمن.
ولجتُ مخدعي بسرعة، وفتحتُ ما أعطانياه جودت، فإذا بها نسخة من جريدة كفاح الطلبة السرّية، وهي الأخرى مطبوعة بأحرف دقيقة جداً، وعليها شعار الاتحاد العتيد الذي أراه للمرة الأولى.
قرأتُ وكأني أتلقى درساً علمياً في الوطنية، ومتابعة أخبار طلبة العراق والدفاع عن حقوقهم…
(يتبع)
