
التفاؤل بوصفه فعلاً إستراتيجياً لازماً
د. عامر ممدوح
كاتب وأكاديمي
يؤخذ على أنصار التنمية البشرية ورموزها والذين ما زالوا يتبعون نظرياتها أنهم يزيدون من تحفيز المتلقي دون بناء حقيقي لقدراته، ويتصورون أن زرع التفاؤل ـ حتى الواهم منه ـ كفيل بتحقيق النجاح وتجاوز العثرات والعقبات، الأمر الذي أحدث وما زال تراكماً حاداً من الخيبات وردود الأفعال السلبية.
وبالمقابل يوصف من يشخّص الواقع كما هو دون تزويق، ويقول ما يراه عياناً او يبصره عبر حسن قراءته للماضي والحاضر والمستقبل، يوصف بأنه متشائم أو يغلب على طروحاته اليأس.
والحقيقة أن (التفاؤل) المطلوب أو المنشود في كل الأحوال لا يمكن أن يعتمد لوحده بوصفه وصفة سحرية للعلاج، مطلقاً، ولا إن إطلاقه هكذا دون ضوابط سيغطي على سوء الواقع مهما تجملت عبارات من يصفه او جوّدت كلماته!
ان التفاؤل فعل إستراتيجي لازم لا غنى عنه، وبدونه لن يتمكن المرء من العيش في محيطه الذي يروم تغييره، ناهيك عن المساهمة في ذلك، ووصفه بهاتين الكلمتين هما مفتاح الفهم له، فهو أولاً وأخيراً (فعل ذاتي) لا معجزة تحدث ولا هبة تُمنح، وهو انجاز تغييري ينبع من الداخل فتشع أنواره على الخارج، وكل من يروج لغير ذلك المفهوم فهو إما مخادع أو على الأقل متوهم وغافل، كما انه (إستراتيجي) الفكرة والمنهج والتخطيط والاتجاه، لا يهتم بالظواهر بل يغوص عميقاً في بواطن الأمور، ولا ينشغل باليوميات على حساب المستقبل ككتلة هائلة من الأحداث قادمة إليه لا بد ولا خيار آخر ولا فرار!
ان الأمر ليس عاطفة ومشاعر تغدق على وطن ينهار أو مدينة تتفكك أو جيل يفقد هويته ومعنى حياته بتدريج سريع مخيف، بل هو استشعار مسؤول وتخطيط دقيق وتنفيذ متقن.
والعمل وفق هذا المفهوم ينبغي أن يتأسس على نموذج الخروج بسلام ونجاح من تحت الرماد، والقدرة على الإمساك بزمام المبادرة وتحويل الاخفاق إلى إنجاز، تماماً كما فعلت اليابان عقب انكسارها الكبير، والصين عندما قررت أن تكون قطباً منافساً في قيادة العالم، والولايات المتحدة تدير اليوم أزمة وتحدي انتهاء عصر هيمنتها المطلقة على العالم ككل.
والتفاؤل كذلك فعل سنني أصيل، لا يخرج عن الفهم العميق لمراد الله جل وعلا في هذا الكون، فالمبادرة والإصرار والتغيير والاعتراف بالخطأ والاستئناف من أجل استرداد الموقع والتمكين، كلها عناوين تدخل ضمن سند التدافع الحضاري التي تظل هي سمة هذه الحياة.
ولننظر إلى الأمم الأخرى كيف تؤسس منهاجها على نفس المفاهيم، ونحن فقط من تقودنا عاطفتنا فنتهم من يشخص لنا حالنا ويقدم لنا العلاج بأنه متشائم أو لا يحب الوطن!
لذا نقول: لا بد من التشخيص الصريح والحقيقي، ثم التأسيس العلمي والبناء المتدرج حتى امتلاك قوة المجابهة والصمود أمام التحديات، وكل ذلك يجب أن يأتي مؤطراً بالصبر الاستراتيجي الذي يغذي أجيال العمل، مع توفير الأدوات اللازمة للنجاح من موارد بشرية ومالية وبيئة مناسبة ومساعدة، والمتابعة الجادة الصارمة.
وبدون كل ذلك، فلا التشاؤم الفاقع علاج ولا التفاؤل المفرط الساذج سيكون نافعاً.. ولا ننسى أن الأمم لكي تكون حيّةً عليها ألا تنام او تستغرق في تأويل الأحلام!
