للذهاب الى صفحة الكاتب   

من رحم النضال / 5

د. مزاحم مبارك مال الله

 

 

لليلة الثانية لم أذق طعم النوم؛ فقد كنت أتقلّب كثيراً في فراشي، يلازمني أرقٌ سببه كثرة التفكير… حملُ المسؤولية… وإخفاء سرٍّ وطني كبير. شعرتُ وكأن لي عائلة جديدة، وأهلاً جدداً، وإخوةً آخرين. وكنت أسأل نفسي: إلى أين سيأخذني هذا المشوار؟ فقبل سنوات قليلة هجم قطعان البعث على الوطنيين، فهل سيكون مصيري كمصير الذين غُيِّبوا في المعتقلات والسجون؟ هل سيأخذونني من البيت كما أخذوهم ولم يعودوا؟ هل سيقف أهلي حداداً على روحي كما كنا نقف نحن على أرواح الشهداء — هكذا كان يقول لنا الكبار، وأنا لا أعرف من هم أولئك الشهداء — في لقاءاتنا العائلية القليلة والسرية، المتحجّجة بالأعياد والمناسبات الدينية؟ كنت أقف معهم وأنا لا أعرف معنى الوقوف حداداً.

 

والآن، وقد عزمتُ أن أكون عضواً في منظمة سرية تعمل من أجل الطلبة والوطن… يا لها من مهمة تاريخية كبيرة. ولكن لماذا السرية؟ لم يكن الأمر بحاجة إلى كثير من التفكير؛ فالجواب كان يأتيني من أعماقي: لأن السلطة لا تحب الوطنيين، بل تحاربهم!

 

هممتُ أن ألتقي بمحمد رضا كي أعاتبه بعد أن أمنتُ بالانتماء إلى اتحاد الطلبة العام. وفي فرصة الدرس الأخير جاء محمد بصوته الدافئ المعهود قائلاً: "مزاحم، أعتذر جداً عن عدم مقابلتك يوم أمس، لكنني انشغلتُ بمهمة من الاتحاد. المهم… هل وصلتْك الأمانة من جودت وع؟ هل قرأتها؟"

أسقط في يدي دوافع معاتبتي له، فقلت: "نعم، قرأتها مرات عدة." فأردف قائلاً: "والآن… هل قررت أن تكون معنا في هذا النضال الوطني العظيم؟"

 

وربما قبل أن يخرج الحرف الأخير من فمه، بادرته قائلاً: "نعم، وبكل تأكيد." فقال: "نحن متأكدون، فأنت مُزكّى 100%، وهناك توصية بك من قيادة تنظيمات الكرخ… هنيئاً لك زميل مزاحم."

 

وواصل محمد حديثه: "اسمعني زين مزاحم… عندي حديث وتوجيهات كثيرة، والجرس راح يدكّ، وبعدين نطلع للبيوت. أمرّ عليك العصر للبيت… خو ماكو مشكلة إذا طلعنا نتمشى؟" – "أشوف… أنت تعال، وإذا أكدر أطلع… أطلع."

 

انتهى الدوام ودق الجرس وخرجنا إلى البيوت، وأنا طوال الوقت أفكر بوسيلة أقنع بها الوالدة كي أخرج مع صديقي محمد. المهم… دبرتُ العذر وخرجنا نتمشى.

(يتبع)