للذهاب الى صفحة الكاتب   

من رحم النضال / 7

د. مزاحم مبارك مال الله

 

 

تمرّ عليَّ الدقائق والساعات ثقيلةً، مفرحةً، منعشةً، قلقةً؛ أعيش فيها بنشوة كلما رددتُ مع نفسي أني عضوٌ في اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية، فهذا شرفٌ عظيم أن يكون لي دورٌ في هذه الحياة..

 

عاجلتُ الوقت كي أنهي المهمة التي أوكلها لي محمد، بل والأهم منها أن أقرأ النظام الداخلي، والذي من ديباجته ومقدمته أدركت أني داخلٌ في محيطٍ زمنيٍّ وطنيٍّ يمتد منذ عام 1948، وما سبقها من إرهاصات لإعلان تأسيس هذا الاتحاد المناضل..

 

وكلما تمعنتُ أكثر، زادت تساؤلاتي.. وتيقنتُ أن المعرفة بكل شيء دفعةً واحدة أمرٌ مستحيل، فهي تأتي تباعاً، وكذلك هي لا تقتصر على الأسئلة وتلّقي أجوبتها، بقدر ما هي بحاجة إلى الغوص في أعماق التاريخ، والاطلاع على نضالات الشعب العراقي بكل فئاته.. وكيف يتسنى ذلك وكل شيءٍ محظور، وخصوصاً الكتب؟ فبعد الانتكاسة التي مرّ بها الشعب العراقي في 8 شباط 1963 على أيدي البعثيين، تم حرق والتخلص من معظم الكتب، وهي المراجع الموثقة لنضال الشعب الجريح.

 

من محمد عرفتُ كيف تأسس الاتحاد، وكيف حافظ العمال الأشاوس على المؤتمرين، وعرفتُ منه بعض المقتطفات عن وثبة كانون، وعرفتُ منه أسماء الشهداء الأبطال: قيس الآلوسي، وجعفر الجواهري، وغيرهما من الخالدين..

 

كان لا بد لي أن أتسلح بما يناضل من أجله الاتحاد كي أتمكن من إقناع الآخرين.. ولكن السؤال الأهم والجوهري: كيف يتم تحويل الكلمات المكتوبة في هذا الكراس إلى لغةٍ عملية يعيشها ويدركها المتلقي (الطالب)؟ هنا تبرز أهمية التعلم، والثقافة، والمناورة، ووسيلة الإقناع، والأسلوب الناجع، والتي بمجموعها مع الممارسة يطلقون عليها الـ (خبرة).

 

كان الكراس صغير الحجم، وأوراقه قليلة، فقد قرأته مرتين، وربما ثلاثاً.. وحفظت شعاره العتيد الذي ألهمني، وشدّ مشاعري، وأثار عندي تساؤلاتٍ كثيرة..

 

بدأتُ استنساخ "كفاح الطلبة" على ورقٍ خفيف جداً، والذي عرفت اسمه الورق (الرايز) — وهو نفس نوع الورق الذي عثر عليه رجال الأمن حينما فتشوا أغراض وحاجيات شقيقي صبحي، حينما ألقوا القبض عليه قبل انقلاب 8 شباط الأسود بثمانية أيام.. نعم، إنه هو نفسه. فما زلت أتذكر كيف أن شرطي الأمن حرّز ذلك الورق من أغراض صبحي.. كما أعطاني محمد ورق كاربون أضع واحدةً بين كل ورقتي رايز، وأثبتها جميعاً بدبوس مع استخدام القلم الجاف.. وبدأت أنسخ..

أنهيت المهمة خلال ساعات، دون أن أتركها إلى اليوم التالي، لأني كنت متلهفاً لإنجاز ما أوكل إليّ، وثانياً لا أريد أن أحتفظ بشيء عندي..

 

حملتُ ما استنسخته معي في اليوم الثاني إلى المدرسة كي أسلمه إلى محمد، ولكن خطر ببالي سؤال: إذا لم ألتقِ محمداً، فكيف يكون الاتصال؟ وإلى من أسلمها؟

كان هذا سؤالي لمحمد وأنا ألتقيه في الفرصة الأولى من الدوام.. فقال: "بديلي جودت

ثم بادرني بسؤالٍ آخر:

"عزيزي، هل أدركت لماذا مشينا البارحة بين الأزقة، واليوم التقيك في الفرصة الأولى؟"

     نعم.. كي لا نجلب انتباه عيون المعادين لنا..

• أحسنت يا مزاحم.. صحيح.. يجب أن نتحلى بالحذر والانتباه دوماً.

 

كان محمد يكبرني سناً، وكان يكره مادة الإنكليزي التي سببت له إعادة السنة الدراسية.

 

(يتبع)