
سد الذرائع في السياسة الفلسطينية
أسامة خليفة
كاتب فلسطيني
اقتحمت القاعدة الفقهية «سد الذرائع» عالم السياسة، بعد أن تسربت إلى القاموس السياسي الفلسطيني، لما طالب الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، حركة حماس بتسليم الأسرى لسد الذرائع الإسرائيلية، داعياً إلى إبطال الحجج التي تستخدمها إسرائيل لتبرير استمرار عمليات القتل، والقصف، وتدمير بيوت الفلسطينيين،
وفي كلمته أمام القمة العربية التي استضافتها البحرين الخميس 16 أيار/مايو 2024 اتهمّ الرئيس الفلسطيني محمود عباس حركة حماس بتوفير ذرائع لإسرائيل كي تهاجم قطاع غزة. وقال عباس: «العملية العسكرية التي نفذتها حماس بقرار منفرد في ذلك اليوم، في السابع من تشرين الأول/أكتوبر، وفّرت لإسرائيل المزيد من الذرائع والمبررات كي تهاجم قطاع غزة وتمعن فيه قتلاً وتدميراً وتهجيراً».
وفي بيان صحفي أوردته وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية «وفا» يوم الإثنين 31 آذار/مارس 2025 طالب الرئيس الفلسطيني حركة حماس بقطع الطريق على إسرائيل، وسحب الأعذار منها والتي تتذرع بها لمواصلة عدوانها الدموي ضد شعبنا وأرضنا، وأن عليها أن تحمي أرواح أبناء شعبنا الفلسطيني وإنهاء معاناتهم وعذاباتهم في قطاع غزة الذي يتعرض لحرب إبادة جماعية، اعتقاداً أن تجريد المقاومة من السلاح يؤدي إلى تجريد الجانب الإسرائيلي من أي أعذار أو مبررات صريحة لعدوانيتها المفرطة، وأن هذا يخدم مصلحة حماية المدنيين، ووقف نزيف الدم، ودرء مخاطر كبيرة قد تقود إلى نكبة جديدة، جاء ذلك في كلمة ألقاها الرئيس الفلسطيني يوم الأربعاء 23 نيسان/أبريل 2025 في افتتاح أعمال الدورة الـ32 للمجلس المركزي الفلسطيني بمدينة رام الله.
وقد أثارت هذه التصريحات ومازالت جدلاً واسعاً، كما هو حال «سد الذرائع» أحد أصول الفقه المختلف فيه، وقد أخذ به الإمام مالك وأحمد بن حنبل، ومنعه الشافعي وأبو حنيفة، واعتمد الخليفة عمر بن الخطاب ما يسمى «فتح الذرائع»، القاعدة التي على أساسها منع تخصيص مبلغ من أموال المسلمين للمؤلفة قلوبهم الواردة في سورة التوبة.
برزت مواقف متباينة على الساحة الفلسطينية، بين مؤيد يرى في «سد الذرائع» سياسة عملية لحماية المدنيين الفلسطينيين، تتمتع بالمرونة لدرء المفاسد عن الأمة، وسياسة استباقية تقضي على وسائل الفساد قبل وقوع المحظور، وتوسع دائرة الاجتهاد لرجال الدولة لضبط المصالح العامة، يعتبر هذا الرأي مقاومة الاحتلال بمثابة تقديم الذرائع للعدو للبطش بشعبنا وتدمير ممتلكاته، وأن الحل بيد حركة حماس، وبالتالي تقع عليها المسؤولية عن حرب الإبادة، وطالبوها بنزع الذرائع من الاحتلال بتسليم الحكم في قطاع غزة للسلطة الوطنية، باعتبار أن الأولوية القصوى في هذه المرحلة للوضع الإنساني في قطاع غزة، يتمثل في تخفيف المعاناة، ورفع الحصار، ومنع أي مخططات لتهجير السكان أو تغيير الواقع الديموغرافي، والوقف الفوري والشامل لإطلاق النار، وفتح المعابر، وضمان تدفق المساعدات الإغاثية والطبية بالشكل الشامل والضروري.
بالمقابل اعتبر الرأي المعارض هذه التصريحات والمواقف تبريراً للمجازر الإسرائيلية، وتبرئة لجيش الاحتلال من إراقة الدم الفلسطيني، وأن ذاك الرأي الآخر يتجاهل القانون الدولي الذي لا يعتبر مقاومة الاحتلال تبريراً قانونياً للمجازر، والمواثيق الدولية تقرّ بحق تقرير المصير والمقاومة، وتُحمّل اتفاقيات جنيف القوة القائمة بالاحتلال المسؤولية الكاملة عن حماية المدنيين، وتعتبر استهدافهم أو ارتكاب المجازر ضدهم جرائم حرب لا يمكن تبريرها.
يجري الحديث في الشرع، أيضاً عن مبدأ «فتح الذرائع»، ويعني اتخاذ وسائل مباحة لتحقيق مصالح واجبة، وهي تعاكس قاعدة «سد الذرائع»، من ناحية المنع أو السماح باستخدام وسيلة، حيث تقوم قاعدة «سد الذرائع» على منع الوسائل المباحة إذا كانت تؤدي إلى مفسدة أو إلى درء الشر والأذى، وعلى هذا تُمنع المقاومة المشروعة لأنها تؤدي إلى رد فعل وحشي وإجرامي من قبل دولة الاحتلال، أما «فتح الذرائع» فهو القيام بأمر مباح لأنه يؤدي إلى منفعة، وكلا القاعدتين تشتركان في وجوب ارتباط النظر بمآلات الأفعال والمقاصد، أي النظر بما سيؤدي إليه الفعل في المستقبل، لذلك تصلحان في حالات معينة فقط، وتشترطان أن تكون المفسدة أو المنفعة متيقنة أو راجحة وليست محتملة أو نادرة الوقوع.
ما علاقة قاعدة «سد الذرائع» بـ«الذرائعية، الفلسفة النفعية»؟. تبدو العلاقة لفظية، «فتح الذرائع» تعني «اتخاذ وسيلة مباحة غير مذمومة للحصول على نتيجة حميدة»، أما الذرائعية السياسية تعتمد مبدأ «االغاية تبرر الوسيلة» أي أنها تستخدم «وسيلة مذمومة تؤدي إلى منفعة»، وتبرر أعمال محظورة لتحقيق مصالح أو منافع، وتستخدم إسرائيل كل المحرمات الدولية للإبقاء على احتلالها. بينما تسعى قاعدة «سد الذرائع» في الشريعة إلى تحقيق المقاصد بدرء المفاسد والاحتياط للمحرمات، كأن هذه القاعدة حرف امتناع لوجود، تمتنع مقاومة الاحتلال لوجود محتل نازي متوحش.
المبالغة في اعتماد قاعدة «سد الذرائع»، التي تمنع الوسائل التي يشتبه أو يحتمل أنها تفضي إلى محرم أو محظور، تؤدي إلى تضييق أو سد الكثير من أبواب المباحات، حتى تصل إلى مستوى رفض المقاومة الشعبية السلمية لأنها مع هكذا عدو محتل مجرم سيستخدم وسائله القمعية، وستؤدي إلى سقوط شهداء. ترى القوى الوطنية في غزة أن الركون الدائم لمنطق «سد الذرائع» لتجنب ضربات الاحتلال قد يحد من حركتها النضالية، ويمنح المحتل فرصة للاستفراد بالشعب الفلسطيني وتمرير مخططاته.
وخلال الفترة السابقة، ومنذ 10 تشرين الأول/ أكتوبر 2025، بدء المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار حسب اتفاق شرم الشيخ للسلام، واصلت الفصائل الفلسطينية اتباع سياسة «سد الذرائع» أملاً في تثبيت وقف إطلاق النار في القطاع، وضمان عدم التصعيد وانسحاب للقوات الإسرائيلية من داخل القطاع، ولو كان جزئياً، وإدخال المساعدات الإنسانية، وإعادة الإعمار في القطاع. ورغم الاتفاق وتبادل أسرى إسرائيليين وفلسطينيين، استمرت جيش الاحتلال بخرق الاتفاق وارتكاب المجازر بحق شعبنا، فهل قدمت حركة حماس الذرائع كي تواصل إسرائيل عدوانها على قطاع غزة؟.
ضمن سياسة سد كل الذرائع التي يتذرع بها نتنياهو لمواصلة توسيع عدوانه، مورست ضغوط على حركة حماس للتعامل مع مسألتين: أن تتخلى عن إدارة القطاع، ونقل إدارته إلى لجنة التكنوقراط الفلسطينية، وأن تبدي استعدادها لتسليم سلاحها مقابل تنفيذ بنود المرحلة الأولى من اتفاق غزة، لكن هذه السياسة ستؤدي إلى سلسلة تنازلات مجانية دون الحصول على مقابل سياسي، بالإضافة أن الوقائع أثبتت أن إسرائيل لا تحتاج إلى ذرائع لممارسة سياساتها العدوانية.
ومن غير المقبول استمرار الخروقات الإسرائيلية وتمريرها دون رد مناسب من جانب الوسطاء والضامنين، وما لم يتمكن الوسطاء والضامنون من إلزام إسرائيل باحترام اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة والانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، واستمرار تهرّبها من الاستحقاقات، فأمام فصائل المقاومة الفلسطينية أحد حلّين: القيام برد مقاوم شعبي، أو مسلح ضمن قواعد اشتباك جديدة مع قوات الاحتلال، أو الأخذ بسياسة النهج السياسي الذي تتبعه السلطة الفلسطينية المعروف بـ«سد الذرائع» في شكله المفرط لتجنب أي تصعيد وحشي، وانتهاز أي حراك لتبرير عدوانها وفرض حصار أوسع وأشد.
هل عملت الفصائل الفلسطينية في غزة بمفهوم «سد الذرائع»؟.
تبين سياسات الفصائل الفلسطينية أنها تعمل وفق معادلة توازن بين تكتيك «سد الذرائع» لحماية المدنيين وبين خيار المقاومة ورفض تسليم السلاح، تعاملت الفصائل الفلسطينية في غزة مع مفهوم «سد الذرائع» بحذر شديد، حيث طُرح المفهوم غالباً كأداة لتفادي التصعيد عبر تقديم تنازلات تكتيكية لمنع الاحتلال من إيجاد مبررات للعدوان، بينما اعتبرت الفصائل أن استخدامه بشكل مفرط قد يشكل فخاً لتقييد المقاومة.
ادعت بعض الأطراف السياسية الفلسطينية والإقليمية أن تسليم المحتجزين الإسرائيليين لدى المقاومة سيؤدي إلى نزع الذرائع أمام استمرار وتوسيع الحرب على غزة. في المقابل، تحفظت فصائل المقاومة على هذه الخطوة، معتبرة أن ورقة المحتجزين هي الأداة الأهم لإتمام صفقات التبادل العادل وتحقيق مطالبها.
ومن هؤلاء محمود الهباش مستشار الرئيس للشؤون الدينية والعلاقات الإسلامية، قال: إن حماس قدمت الذرائع للاحتلال لمواصلة عدوانه على شعبنا، ودعا إلى موقف شعبي ووطني يطالب حماس برفع يدها عن قطاع غزة، معتقداً أن ذلك يؤدي إلى وقف العدوان وتقوية الموقف الوطني تحت مظلة منظمة التحرير. هل توقف إسرائيل العدوان إذا نزعت حماس الذرائع؟. فلا السلطة ولا منظمة التحرير مقبولة من قبل إسرائيل.
