
من رحم النضال/ 8
د. مزاحم مبارك مال الله
فرحتي لا تسعها الدنيا… كل شيء تغيّر طعمه عندي، البيت هو نفس البيت، وأمي وأبي وأخواتي وإخوتي هم أنفسهم، المدرسة هي المدرسة ذاتها، والدرب بين المدرسة والبيت هو نفسه،الطلاب والمدرسون كما هم. الطعام لم نغيّر ما اعتدنا عليه، والماء هو ماء الحنفية، لكن..!
بعد أن انتميتُ إلى اتحاد الطلبة العام أصبح كل شيء ذا مذاق آخر… فقد صار أحلى وأطيب وألذ، بدأت الأشياء المتحرّكة أمامي تكتسب معنى، وفي الوقت نفسه قفزت إلى ذهني أسئلة لا بدّ من البحث عن إجاباتها.. ماذا يعني ديمقراطي؟ ما هي الحياة الحرّة… والكريمة؟ ما معنى مستقبل أفضل…إلخ.
سأثير هذه الأسئلة مع محمد، أو أبحث عن الإجابات بنفسي، رغم أن بعضها بدا لي سهلاً وأعرف اجاباتها، نعم، نحن نعيش حياة ليست تلك التي نتمناها لوطننا وشعبنا. وبدأت أربط بين قضايا الطلبة ومصالحهم وبين قضايا الوطن ومصالحه. إذن فالوطن هو مجموع الاتحادات، والاتحاد جزء من الوطن.
بطبيعتي، ومن خصالي الداخلية، أني مندفع، عاشق للتغيير، ملهم بالتعاون، منظّم ودماغي مرتب، حريص جداً، متابع، وأحب مساعدة الآخرين. ولهذا السبب حصلت على تشجيع العائلة وهدية رمزية بسيطة كوني "أفضل طفل متعاون في البيت" كنت أساعد أمي في أعمال المنزل من تنظيف وترتيب وغسل الصحون وتنظيم المطبخ، وكان ذلك وعمري لا يتجاوز الثامنة، بعد أشهر قليلة من الانقلاب الأسود عام 1963.
جاءت توجهات وتطلعات الاتحاد متناغمة مع طبيعتي وشخصيتي بصورتها البسيطة، لذلك صار الاتحاد هو الحضن الدافئ بعد حضن أمي، وضمني بحرارة بعد أبي، وكان سلوتي كما أعيش الحياة مع إخوتي. لذلك كان انتمائي لاتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية بمثابة الانصهار والصيرورة الجديدة.
بعد مرور أيام، كنت قد وضعت عيني على بعض الأصدقاء كي أخبر الزميل محمد عنهم لغرض كسبهم. منهم ما زال حيّاً يُرزق (ونحن الان 2026)، ومنهم من رحل، ولا أعرف أخبارهم بالضبط، فالحياة تغيّرت خصوصاً بعد أن أنهينا الدراسة المتوسطة.
بعد أسبوع، اتصل بي جودت ليخبرني عن موعد اجتماع في بيت محمد، تندلّه مو مزاحم؟
• "الساعة الخامسة في اليوم الفلاني" .. لكني لا أعرف بيت محمد ،
بسيطة، أنا سأدلّك عليه بعد الدوام.
وفعلاً، بعد انتهاء الدوام اتفقنا أنا وجودت على أن نلتقي في المكان الفلاني. التقينا، واستصحبني ليدلّني.
أمران تغيّرا في سلوكي المعتاد أمام أمي: الأول: التأخر في العودة إلى البيت عمّا كنت عليه سابقاً. والثاني: كثرة عدد مرات خروجي من البيت.
(يتبع)
