
يوميات حسين الاعظمي (1455)
ذكريات مبكرة
مقامات في زمن المراهقة
الذكريات الاولى، او الذكريات المبكرة من الحياة، تعيش معنا طيلة حياتنا. قصُرت ام طالت، باقية منذ البواكير كالنقش على الحجر..! فهي ذكريات مبكرة عصية على النسيان. ذكريات لم ولن أستطع نسيانها حتى اليوم..! بل هي فعلاً عصية على النسيان..! حجزت لذكراها مكانا عصيا في اعماقي وكياني. ثابتة كثبات إيماني بوجود الله سبحانه وتعالى. رغم أن قِدم هذه الذكريات من زمن عمر المراهقة التي مررتُ بها منتصف وأواخر ستينيات القرن العشرين. فالتعابير والتذوق الغنائي والموسيقي للمقام العراقي على وجه الخصوص، التي إمتلكتُها من البيئة الأسرية وبيئة المنطقة والمدينة والوطن ككل.هي التي هيمنتْ على كل مشاعري منذ بواكير حياتي. فقد سيطرتْ تعابير غناء وموسيقى المقام العراقي على كل حواسي وافكاري ومشاعري وتطلعاتي وأنا في مقتبل العمر. بل في وقت مبكر جداً..! وبصورة أقرب إلى الجنون..! والسابقون قيل عنهم الكثير، بأنهم كانوا مجانين في تذوقهم لغناء وموسيقى المقامات العراقية..! ولكنني لم أفهم أو أدرك مثل هذه الاقوال التي كنتُ أهزأ منها في نفسي بداية الأمر..! او على الاقل كنتُ اظن انها اقوال اسطورية لاوجود لها على ارض الواقع..! إلا بعد أن نمتْ أحاسيسي وعشتُ في خضم الامتلاك والانتماء الى تعابير غناء وموسيقى المقامات العراقية والغور في أعماق البيئة والنشأة الاولى، وهي تُـجسِّدْ كل تاريخ تراجيديا العراق وأحداثه المأساوية، وكأنني عشتُ كل تلك العصور مؤكداً كلمتي الى اقولها دائما في كتاباتي وبحوثي الفنية(التراث يمتلك ولايعطى)..!!
ما نحن فيه، فقد كنتُ أواخر الستينيات من القرن العشرين، أمتلك راديو صغير (ترانسستر) يسحب قنوات إذاعية كثيرة، كانت خالتي قد أهدتني إيّاه عند عودتها مع والدتي من مكة المكرمة وأداء فريضة الحج رحمهما الله. وكنتُ أتابع بشغف كبير جداً، برنامج المقام العراقي الذي يذاع في مساء كل يوم اثنين من كل اسبوع، ولكن في ساعة متأخرة، وهي انتصاف ليلة الاثنين على الثلاثاء..! حيث يتخلله مقاطع غنائية لبعض المغنين المقاميين، وفي هذه الفترة من حياتي كنت أنام في الساعة السادسة او بعدها بقليل مساء كل يوم حسب قرارات المرحوم والدي الذي كان يفرض ذلك فرضاً محكماً، رغم أنه كان كبير السن بالنسبة لي، وقد أخذتْ منه الحياة مأخذاً..! حتى إعتدتُ على نومي في هذا الوقت، فأنا صغيرهم وآخر العنقود بين أخواتي وإخوتي.
كنتُ أصعد بعد السادسة مساءاً الى غرفتي لأخلد الى النوم، حاملاً معي ذلك الراديو الاثيرالى نفسي، وأنا طبعاً أنتظر يوم الاثنين بشكل خاص للاستماع الى برنامج المقام العراقي الذي لا يستمر أكثر من ربع ساعة..!!! ربع ساعة لا غير، كم كانوا بخلاء حتى النخاع في زمن البرنامج، برنامج تراثي وطني اسبوعي في ربع ساعة..!؟ هل هذا معقول..؟ إنه لأمر عجيب فعلاً..! على كل حال، كنتُ أنتظر مرور إسبوع كامل لأستمع الى هذه الدقائق القليلة التي يستمر بها برنامج المقام العراقي، بشغف كبير ما بعده شغف..! وأرى نفسي الآن عاجزاً تماماً عن وصف حالتي مساء كل يوم اثنين، وأنا أنتظر حلول وقت البرنامج، فقد كنتُ أكثر ما أخشاه هو إستمراري بالنوم ويفوتني البرنامج، ماذا أفعل يا ربي..؟ لا حيلة لي. وعليه كنتُ أغفو عشرات المرّات، واصحو عشرات المرّات وكأنني في أحلام..! لحين ما يأتِ وقت البرنامج، كما يقول المثل الشعبي(نومة تجيبني ونومة توديني) حتى أحظى بالاستماع الى حلقة البرنامج الاسبوعية، التي أقضي غالبية وقتها القصير، بالغور العميق في بحر التعابير المقامية الشجية المؤثرة، حيث يغلب عليّ البكاء والحنين، وأنا في عنفوان مراهقتي ومشاعري وعواطفي الغائرة في أعماق الاحلام والخيال والتأملات..! ثم تجهض فجأةً، كل هذه المشاعر والاحلام وتقتل في مكانها عندما ينتهي وقت البرنامج..! والأغرب من كل ذلك، عندما ينتهي وقت البرنامج الذي إنتظرته وأنا أقسو على نفسي بين الاغفاء تارة والصحوة تارة اخرى، متكابراً على النعاس الذي يسيطر عليّ بصورة كبيرة جداً وأنا أقاومه بكل ما أستطيع من تحمل، متحاملاً على نفسي وقابليتي الفتية في نضالي المرير مع النعاس..! واذا بي أبقى صاحياً حتى الصباح الباكر بعد إنتهاء البرنامج..! حيث يغيب النعاس الذي كنتُ أقاومه بضراوة قبل الاستماع الى البرنامج.
ذكريات مبكرة لم تغادر مخيلتي حتى اليوم، ويبدو أنها لن تنسى أبداً، فقد حجزت لها مكانا عميقاً في فكري ومشاعري، إنها فترة البواكير من الحياة، وإنها فترة المراهقة من جانب آخر.
والى حلقة اخرى ان شاء الله.

صورة / حسين اسماعيل الاعظمي في 17 /8 /2019 بعمّان
