
الابراهيميه.. التعبيرية المجتمعية اللاارضوية المغفله (2/2)
عبد الامير الركابي
ليس واردا بالنسبة للعقل الارضوي الجسدي تصور احتمالات المستقبل البشري خارج نطاق وحدود ممكناته وماهو مهيا للاحاطة به، ويبدا هذا الامر اولا من مقاربة الظاهرة المجتمعية كصيرورة مقترنه بحقيقة كونيه، حيث المنطوى الممكن التعرف عليه لاارضويا ابعد من الراهن الماثل، والموصول بالمسار التشكلي الارتقائي الحيواني، وبداية ظهور العقل بعد طول كمونه، واحتمالية كون المجتمعية كمحطة اخيرة ضرورية انتقالية مابين الحيوانيه ومتبقاياتها، والطور العقلي ماسيترتب عليه من انقلابه غير المالوف، بما انه لا يدخل باية درجه نطاق الرؤية السائدة الاحادية الارضية، تلك التي تقفز اعتباطا من "الحيوان" الى "الانسان"، وتروح تصوغ مسارات بلا افق ولا غاية ومنطويات، هي حكما من نوع تلك التي اضمرتها الطبيعة والكون، وقررتها مسارا للكائن الحي وتدرجاته الصاعدة الى العقل.
والاهم الاخطر بصورة استثناء لهذه الجهه، غياب القدرة حتى اليوم على وضع الحقبة المجتمعية ضمن المسار التشكلي الارتقائي للكائن البشري، علما بانها المحطة الفاصلة التي بها تنتهي اخر متبقيات الحضور الجسدي وهيمنته المقترنه ببقاء الكائن الحي موضوعا ومادة تشكل حياتي، خاضع لفعل وارادة الطبيعه وتغيراتها، وماهي مصممه لادائه من دون وعي ولا تدخليه، فالكائن البشري لهذه الجهه تابع كموضوع لديناميات الطبيعه، الامر الذي يستمر طيلة الطور الحيواني من تاريخ النشوئية الارتقائية، حيث الفعل الطبيعي، فقط المنطوي على الغاية والمعنى او القصد بصورة مطلقة، وصولا الى ظهور العقل واولى تجلياته الابتدائية، حين تتوفر وقتها الاسباب الضرورية للانتقال الى الادراكية البشرية للعملية النشوئية كاملة مع ابتداء الحضور البشري الانساني الواعي، والتدخليه البشرية الضرورية المنتظرة في المسارات الارتقائية الباقية، العقلية، من عملية النشوء والترقي، خلافا لحالة غلبتها الاقرب للمطلقة ابتداء من الخلية الاولى.
ومع استمرار حالة القصور العقلي والعجز عن مقاربة وادراك منطويات الظاهرة المجتمعية الامر الذي يلازم الظاهرة مدار البحث على مدى قرون، فان الطبيعة وفعلها لايكون غائبا، وهي تضطلع كالعادة بتامين الاسباب والعوامل الضرورية لحفظ المسار الذاهب الى غرضيته التي هو موجود لبلوغها، وبعدما كانت التدخليه الطبيعية الحاسمه مقتصرة على الفعل البيئي الجغرافي وتحولاته الحية، وهو ماكان غالبا ابان الطور الحيواني، تحولت راهنا الى المجتمعية ذاتها، والى كينونتها وتوزعاتها ضمن الازدواج المجتمعي والطبقي مع بقية اشكال التمظهر الازدواجي العام، بتصميم وجد لكي يفضي بالاصطراع وشتى اشكال الدينامية الشامله المرهونه لغرضية بعينها، ولاول مرة، بالعقل الى ان يدرك هذه المرة، الحقائق المتصلة بالعملية المجتمعية، وبالذات اللاارضوية منها، مع الازدواج الاساس المترتب عليها، ومقابله الازدواج الذاتي خاصية الكينونه البنيوية البشرية.
يرى الارضويون في عمل العقل ومايعرف ب"العلوم" على انها فعل العقل الاحادي الارضي وتراكماته من دون مقاربة للحقيقة الكبرى الدالة اولا على "ظهور العقل اللاجسدي" العقلي، وهو ماينطوي عليه الفعل المجتمعي ودينامياته ابتداء من تبلوره الاول، وصولا للحظة مقاربة الانقلاب الاعظم مع توفر الاسباب المادية للانتقال الاكبر، قمة الانقلابيه الالية بصيغة "التكنولوجيا العقلية"، فاذا التقت الوسيلة الانتاجية العليا فوق الجسدية، والادراكية العقلية اللاارضوية، حل على العالم والجنس البشري الطور المنتظر الاعلى من التشكلية الارتقائية الهدف والغاية، وصار العقل/ الانسان هو الحاضر بعد طول المكوث تحت وطاة الجسدية بصيغتيها الاولى الحيوانيه، والثانيه المجتمعية الاحادية الارضوية.
هكذا عودتنا الطبيعة بطول نفسها الذي يستمر لمليارات السنين فعلا متصلا بانتظار النتائج والحقب وهي تضع اللاارضوية وتعبيريتها الابراهيمه في خانه المطرح خارج العملية المجتمعية، دلاله على قصورية الادراكية المتاحة، اذ من الصعب ان يكون العقل قادرا على ازالة اللثام عن الظاهرة اللاارضوية من دون ان يكون قد توفر على الاسباب والمقومات الضرورية للانتقال الى صنف مختلف اخر من النظر لاجمالي العمليه المجتمعية واغراضها المتعدية للمعاش الماثل، الحاجاتي الجسدي الارضي، في حين تكون الحقيقة وقتها قد اوجبت بصورة نهائية القول بان المجتمعية هي غير مامعاش ونوعه.
ويبقى السؤال لماذا عجز الغرب وهو في عز انتفاضته الاليه ومارافقها ونتج عنها من اتقلاب عقلي شامل، عن ان يقفز خارج الاطار الارضي متعديا متبقيات اليدوية التي يفترض به انه قد غادرها، يدخل هنا في الاعتبار كون الغرب بالاحرى وبغض النظر عن توهماته بهذا الخصوص، لم يكن قد غادر الطور اليدوي كليا، بل تقدم خطور باتجاه مغادرته التي هي عملية كوكبيه شامله، هذا بالاضافة لجانب اخر حيوي واساسي، فالبنى الارضوية ومنها الاوربي الطبقي الذي اوجدته اليدوية الانتاجية واشتراطاتها، لاينطوي على الضروري من الاسباب والمقومات التاريخيه والبنيوية اللازمه لادراك المتغير الحاصل، وهو مايقتضي نوعا من الاصطراعية تدخل في جمله اسباب تكامل الانتقال الى الالية التكنولوجية اللازمه، مايتطلب تغييرا في السردية المفترضة للانتقال الالي، غير تلك الاوربية التي ظلت تقول بان الانتقال الالي هو بدء ظهور الاله بقيام المصنعية، الحقبة الاليه الافتتاح والاولى، ذهابا الى مايعقب ذلك من متغيرات اساسية، وغالبة مجتمعية من نوع تلك المفقسه خارج التاريخ الامريكيه وانتقالها بالالة الى التكنولوجيا الانتاجية الحالية، واصطراعيتها الافنائية المتاخرة مع موضع اللاارضوية وتعبيريتها المغفلة الابراهيميه، بعد طور اول من الاصطراعية الافنائية النموذجية الاوربية، وماقد ترتب عليها من اصطراعية من نوع اخر مختلف، طابعه الاساس نموذجي اقصائي لغيره بالقوة والاحتلال، هو الاوربي البريطاني الاول.
مع زوال القصورية العقلية والانتقال الى الادراكية المجتمعية ومنطواها كما تدل عليه ازدواجيتها ولاارضويتها، والانقلاب على مستوى وسيلة الانتاج من اليدوية الجسدية الى التكنولوجيا العقلية، يبدا عالم اخر، ونمط فعل وكينونه مختلف خارج الارضوية، متصل بالعقل وكيفيات حضورة وتسيده للمشهد الوجودي، اول واهم خاصياته وعيه لقوانين وجوده وقدرته على التدخل في مساراتها، وهو امر ليس من السهل مقاربته من دون جهد انقلابي من نوعه، ويقارب استثنائية وحجمه الذي تقصر لغتنا الارضية عن وصفه، الامر الذي سيضع الكائن الحي امام تحد لاسابق له، ومما لاعين رات ولااذن سمعت.
