
السّياسةُ والْمال: مَنْ يَصْنَعُ مَنْ؟
يوسف أبو الفوز
لو ألقينا نظرة على الخريطة السياسية في الولايات المتحدة والدول الغربية، لوجدنا أن أغلب السياسيين البارزين جاءوا من عائلات ميسورة أو ثرية، ثم دخلوا معترك السياسة وهم يمتلكون ما يكفي من المال والعلاقات والنفوذ الاجتماعي لفتح أبواب السلطة أمامهم. فالوصول إلى مراكز القرار، سواء في الرئاسة أو مجلس النواب أو الكونغرس، يحتاج إلى موارد مالية ضخمة وشبكات دعم واسعة وقدرة مستمرة على تمويل الحملات الانتخابية وصناعة الحضور السياسي. لذلك نجد أن كثيرًا من الرؤساء والزعماء الغربيين كانوا أثرياء أصلًا، أو أبناء عائلات نافذة، أو تمكنوا من بناء ثروات كبيرة قبل وصولهم إلى الحكم، مستندين إلى نفوذهم الاقتصادي والاجتماعي.
وعلى سبيل المثال، جاء جورج بوش الأب وجورج بوش الابن من عائلة تتمتع بنفوذ سياسي واقتصادي كبير. فقد نشأ بوش الأب في بيئة ميسورة، وتلقى تعليمًا متميزًا، وبنى مسيرته في قطاع النفط قبل دخوله السياسة. أما بوش الابن فقد ورث البيئة ذاتها، ودرس في جامعات النخبة الأمريكية، وعمل في مجالي النفط والاستثمار قبل أن يصبح حاكمًا لولاية تكساس ثم رئيسًا للولايات المتحدة. والأمر نفسه يمكن ملاحظته لدى شخصيات أخرى مثل فرانكلين روزفلت وجون كينيدي، وصولًا إلى الملياردير دونالد ترامب، الذي دخل السياسة وهو يحمل ثروة ضخمة واسمًا تجاريًا معروفًا.
صحيح أن العمل السياسي ساهم لاحقًا في تعزيز نفوذ هؤلاء وتوسيع شبكات مصالحهم، إلا أن القاعدة العامة بقيت واضحة: لقد دخلوا السياسة وهم أغنياء، ولم يدخلوها بحثًا عن الثراء. فالرأسمال سبق السلطة، ولم يكن نتاجًا لها.
أما في العراق، فالمشهد يكاد يكون مقلوبًا رأسًا على عقب. فالكثير من السياسيين الذين ابتُلي بهم البلد خلال العقود الأخيرة قدموا أنفسهم، في مقابلاتهم وشهاداتهم المتلفزة، بوصفهم أبناء الفقر والعوز والحرمان. تحدثوا عن بيوت الإيجار، وضيق الحال، وقسوة الأيام. وهذا ليس عيبًا ولا مدعاة للخجل، بل إن الكفاح من أجل لقمة العيش شرف لا ينتقص من صاحبه شيئًا.
بل إن بعضهم روى بفخر تفاصيل المهن التي مارسها قبل وصوله إلى السلطة؛ فمنهم من عمل بائعًا بالمفرد أو بالجملة، ومنهم من اشتغل في مواسم الحج، ومنهم من اعتلى المنابر قارئًا وخطيبًا في مواسم عاشوراء، متنقلًا بين الجاليات العراقية خارج الوطن التي كانت تكرمه وتمنحه مكافآت متواضعة تساعده على مواجهة أعباء الحياة.
لكن العجيب أن هؤلاء، من بعد سقوط النظام الديكتاتوري البعثي، وبعد سنوات قليلة من دخولهم عالم السياسة، تحولوا إلى قصص نجاح مالية خارقة لا تجد لها مثيلًا في كتب الاقتصاد ولا في تجارب الرأسمالية العالمية. فبقدرة قادر، ظهرت الحسابات البنكية المنتفخة، وتكاثرت العقارات، وارتفعت القصور داخل العراق وخارجه، وأصبحت الأرصدة تتوزع بين مصارف العالم، حتى بدا وكأن السياسة العراقية ليست فن إدارة الدولة، بل أسرع برنامج استثماري لتحقيق الثراء الفاحش خلال فترة قياسية.
وهنا يظهر الفرق الجوهري بين النموذجين. ففي الغرب يدخل كثير من السياسيين إلى السلطة وهم أثرياء أصلًا، بينما في العراق يدخل عدد غير قليل منهم إلى السلطة وهم محدودو الموارد، ثم يخرجون منها وقد أصبحوا من أصحاب الملايين أو المليارات. هناك يحاول السياسي الحفاظ على ثروته، أما هنا فيبدو أن الثروة نفسها هي التي تنتظر السياسي عند باب المنصب.
وإذا كان دونالد ترامب قد واجه اتهامات تتعلق باستخدام الثغرات القانونية والخصومات الضريبية والشركات الوسيطة لتقليل الضرائب المستحقة على ثروته، فإن السؤال العراقي مختلف تمامًا: من أين جاءت الثروة أصلًا؟
لقد كشفت السنوات الماضية عن أنماط متكررة من الفساد المالي، شملت العقود الوهمية والمشاريع المتلكئة والمبالغة في أسعار العقود الحكومية، فضلًا عن الرشاوى وشراء الذمم وتسهيل منح التراخيص والامتيازات. كما برزت فضيحة "الفضائيين" الذين يتقاضون رواتب من الدولة من دون وجود حقيقي، وتحولت مؤسسات بأكملها إلى مزارع للمحسوبية والقرابة الحزبية والعائلية.
ولم تتوقف الحكاية عند هذا الحد، بل امتدت إلى الاستيلاء على الأراضي والعقارات العامة، والتلاعب بالمنافذ الحدودية والرسوم الجمركية، وعمليات غسل الأموال وتحويلها عبر شبكات مالية معقدة، فضلًا عن توجيه المشتريات الحكومية والعقود إلى جهات مرتبطة بمتنفذين وأحزاب نافذة. وهكذا تحولت أموال الدولة، في كثير من الحالات، إلى غنائم تتقاسمها شبكات المصالح، بينما بقي المواطن ينتظر مشروعًا لا يكتمل، وخدمة لا تصل، ووعدًا لا يتحقق.
إن أعظم معجزة سياسية في العراق ليست بناء دولة حديثة، ولا إقامة اقتصاد منتج، ولا تحقيق نهضة تنموية. المعجزة الحقيقية هي هذا التحول الخارق الذي يجعل بعض السياسيين ينتقلون من ضيق الحال إلى اتساع الثروات بسرعة تفوق سرعة الضوء، ومن بيوت الإيجار إلى القصور، ومن الشكوى من الفقر إلى إدارة إمبراطوريات مالية مترامية الأطراف. إنها معجزة تستحق الدراسة فعلًا، لا في كليات الاقتصاد، بل في ملفات النزاهة ومكاتب مكافحة الفساد.
نشر في المدى صفحة (آراء وأفكار) عدد يوم 18 حزيران 2026
