
تأويل سياسي لنظرية داروين!
احسان جواد كاظم
في خضم ما يحدث من تطورات في الشرق الأوسط وانعكاسات ذلك على واقع بلداننا مجتمعة ومنفردة ومن واقع خصوصية تعقيدات الوضع العراقي، نحاول تأويل ما جاء به داروين في نظرية التطور ونقرنها بتطورات مواقف بعض القوى السياسية واذرعها المسلحة في البلاد… فوفقاً للاعتقاد الخاطئ السائد حول "نظرية النشوء والارتقاء" لتشارلز داروين، إنها تستند على مفهوم "البقاء للأقوى" وهو الاعتقاد الذي تبنته، على ما يبدو، الفصائل المسلحة والميليشيات العراقية، من خلال سلوكها، دون دراية، وهي التي بالتأكيد ترفض هذه النظرية لأسباب إيمانية عقائدية، وترمي بداروين في قعر جهنم، لكنها عملياً استندت على هذا المبدأ الملفق الخاطيء عن العالم الطبيعي داروين ونظريته الفريدة، لفرض وجودها.
وبينما كانت قد استفادت، لحين، من تأييد شعبي بعد قتالها الإرهاب فإن هذا التأييد بدأ ينحسر بعد الانتصار على دولة الخلافة الإسلامية داعش، حيث شاركت فصائل الحشد كظهير ساند للقوة الأساسية من جيش وشرطة اتحادية وجهاز مكافحة الارهاب التي قصمت ظهر الارهاب الداعشي وحررت المدن من ربقته. وارتقى بسببها شهداء أبرار كُثر.
وكانت الميليشيات قد استثمرت، تلك السُمعة، بادعاء احتكارها للبطولات بدعم من أحزابها المهيمنة على السلطة والإعلام وإضفاء صفة القدسية على تشكيلاتها لتبرير استخدامها العنف المفرط بقتل شباب انتفاضة تشرين 2019 الشعبية لضمان بقائها على سدة الحكم…
ولكن أغلب هذه الفصائل والميليشيات أدركت متأخرة، أن ضغط الواقع والوقائع تحتم عليها التعامل بشكل مختلف مع المستجدات بعد أن تغيرت ظروف البيئة المكانية لها أي الحاضنة الشعبية وانحسار التأييد لها إلى الرفض بعد قمع أبنائها المنتفضين بوحشية وبعد تسخير هذه التشكيلات سلاحها، الذي يُفترض أن يتكرس إلى حماية الاستقرار والتنمية بعد الانتصار على الإرهاب، إلى وسيلة للهيمنة والنفوذ والابتزاز المالي وفرض الإتاوات.
لذا أصبح لزاماً عليها التزام الأصل الصحيح الذي بشّر به داروين وهو " البقاء للأصلح " من خلال " تكيّف كل كيان مع بيئته " وما تفرضه الحياة للحفاظ على استمرار نوعها السياسي وكيانها الوجودي وعدم انقراضها.
لاسيما بعد أن طال التغيير، ليس فقط البيئة المكانية الحاضنة، بل ظروف المناخ السياسي العام في المنطقة، و لغير صالحها ايضاً، بعد الحرب الامريكية الاسرائيلية على ايران الاسلامية وتراجع مشروع الهلال الشيعي والهيمنة الإيرانية التوسعية وتنامي، من ثمة، دور أمريكا بعد فقدان الجمهورية الإيرانية لسوريا الأسد وإضعاف حزب الله اللبناني وانحسار دور الميليشيات العراقية الموالية لإيران وتراجع ثقة المواطن الشيعي العراقي، بالخصوص، بصدقية مشروع أحزاب الإسلام السياسي الشيعي واذرعها المسلحة، كما ذكرنا، وشعاراتها المنافقة ".
لهذا كان نزع سلاحها مطلباً شعبياً عراقياً قبل أن يكون مطلباً امريكياً.
لقد شُنت عملية تشويه ظالمة لمباديْ انتفاضة تشرين السلمية عام 2019 وتخوين لشبابها لمجرد دعوتهم لاحتكار الدولة للسلاح، وتعرضوا بسببها كذلك للإبادة، بينما نشهد اليوم اصطفاف ذات الميليشيات التي قتلتهم لتسليم سلاحها إذعاناً لإملاءات أجنبية متمثلة بترامب وإدارته.
إن مبدأ "الانتقاء الطبيعي" الذي تفرضه الحياة ونزعة البقاء التي تنتاب هذه الاطراف السياسية الاسلامية والميليشيات صيّر تسابقها للاصطفاف بالطابور لنزع سلاحها وتبييض وجهها أمام الأمريكان، واجباً شرعياً، لتجنب العاصفة وفقدان كل شيء، بيد أن ذلك لو تقبله الأمريكان فلن يرتضيه العراقيون.. لأنه لن يكون ضماناً كافياً لهم للاطمئنان على مستقبلهم بعد أن أوغلت، هذه القوى، في دمائهم ونهبت ثرواتهم
والمعلوم أن هذا بالتأكيد لا يشكل همّاً أمريكياً وليس من أولوياتهم.
إن الارتقاء الطبيعي يستوجب التزاوج الانتقائي ضمن شروط مناسبة، حسب داروين، للإتيان بنوع موائم للظروف الجديدة، وربما لذلك كان تصريح أحد ممثلي الميليشيات الرافضة لنزع السلاح عندما قال : " علاقتنا نحن المقاومون بإيران مترسخة مثل الزواج الدائم، وعلاقة أبناء السفارة الأمريكية ( من رفاق السلاح ) وقتية مثل زواج المتعة يوم أو يومين وتطردهم ".
من المؤكد أن تحقيق طفرة جينية لهذه الميليشيات نحو الأحسن وارتقاء نسلها بنتيجة هذه الزيجات أعلاه، أمر لا يتوقع المواطن العراقي منه خيراً، بأي حالٍ من الأحوال !
