
الإبراهيميه هي (الوطن/ كونيه) العراقية الاولى (2/1)
عبد الامير الركابي
تنشا وتتبلور التعبيرية المجتمعية لاارضوية كونية متعدية للدول والكيانات، غير قابله للتحقق ساعة تبلورها، فهي مؤجله ابان غلبة الارضوية اليدوية الكاسحة والاشكال المختلفة والمتطورة مع الزمن من تعبيريتها الجزئية ككيانات ودول، تكرسها على مدى القرون، الانتاجية اليدوية مع الاختلافات والتباين البيئي الجزئي، بينما تخرج الصيغة اللاارضوية من التداول، او حتى المقاربة كاحتمال او كمعطى ممكن، الامر العائد الى نوع الانتاجية الارضوية الجسدية الغالب من جهة، اضافة لمستوى المتاح من الادراكية العقلية في حينه، سواء بحكم اشتراطات الجسدية الحاجاتيه اليدوية، او بحكم البكورة والابتدائية العقلية المحدودة ماتزال، والتي لاخبرة لها بالظاهرة المعاشة بعد.
ومع الزمن تترسخ كحقيقة شبه مطلقة التعبيرية المناسبه لشكل الكيانيه الغالب، ان لم يكن الكاسح، حين تبلورت في القرون المتاخرة بعد ظهور الاله صيغ "القومية" و"الوطنيه" و (الدولة/ الامه) وما يحايثها ويترتب عليها، من دون ان تظهر ايه حالة مخالفه او تعود الى شكل نوعي اخر من التجلي التعبيري الكياني المباين والمستقل، ذلك علما بان صيغة من هذا النوع لم تكن غائبة كليا او منعدمه، ان لم تكن على العكس، اكثر انتشارا من سواها على مستوى المعمورة، هذا اذا تجاوزنا القصورية العقليه المتحكمه بالادراكية البشرية، الامر المستحيل واقعا الى اليوم، وانتبهنا الى ظاهرة الازدواج المجتمعي المتحكمه بالظاهرة المجتمعية تاريخيا منذ تبلورها الاول.
ابعد من ذلك هو الذهاب افتراضا الى تعيين غرضية الوجود المجتمعي البشري، وان نتقبل بناء عليه احتمالية بدء محبط وغير ممكن التحقق في ساعته، بانتظار توفر الاسباب والموجبات الضرورية، وهو ما يضعنا امام مروية اخرى للتاريخ المجتمعي تقول بان بداية المجتمعية ومنطوياتها اللاارضوية هي الناظمه الاساس، والنموذجية المنطوية على الحقيقة المستقبلية، فالمجتمعات البشرية سائرة الى اللاارضوية، ومايلازمها من تحول من الجسدية الى العقلية، وهكذا يصير العراق وجنوبه بصفته مبتدءا مؤجلا هو المنطوي على الحقيقة التاريخيه، والحامل لخاصتها غير القابله للتحقق في ساعتها، بينما تغلب في حينه وبناء لاشتراطات اليدوية الانتاجية الجسدية، صيغة المجتمعية الارضوية المتعارف عليها، مع مايتصل بها من مفاهيم ورؤى واعتقادات.
وهنا لابد من الوقوف امام ماهو خلف اللاارضوية باعتباره الاكثر شمولية بشرية حياتيه، مع رهن المجتمعية كظاهرة لعملية النشوء والارتقاء المواكبه للوجود الحي، من الخليه الاولى الى الانتصاب على قائمتين واستعمال اليدين وبدء حضور العقل بصيغته الابتدائية، وهنا نواجه اشكالية غير عادية ظلت تعتبر النشوء والارتقاء البشري مرحله تنتهي بما يعرف ب "الانسان" الناطق و "العاقل"، ماتعتبره الارضوية من اهم موضوعاتها واكثرها علاقة بتفسير الوجود ومقاربته ادراكا، فلا يخطر على البال بهذه المناسبة اطلاقا كون المجتمعية هي طور اخر من اطوار الارتقاء الحي بصيغته البشرية، هو الاخير اللازم والضروري للوصول بالكائن البشري الى ماهو ذاهب اليه كينونه ومبتدءا، حيث الانتقال النهائي من الحيوانيه ومتبقياتها الجسدية، الى العقل المستقل، الامر الذي لايمكن تحققه الابالمرور بالطور المجتمعي بصيغته المجتمعية والغالب منها كضرورة ترقوية عقلية ومادية.
وقتها يكون من المنطقي القول بان المجتمعية تنشأ في ارض سومر جنوب ارض مابين النهرين مافوق جسدية كما مقرر لها، وكما هو المقصود والمستهدف من ظاهرة المجتمعات كطور وحقبة انتقالية مختلفة عن تلك النهريه الاخرى، والمقاربة زمنيا في ارض النيل حيث الارضية الكليه وفقد الديناميه الاصطراعية، مع غلبة التوافقية البيئية الانتاجية (1) والحاجه للاختراق اللاارضوي تاكيدا للازدواج الملازم للظاهرة المجتمعية ككل، مايستوجب عموما الحاجة الى المصدر والبؤرة المتكفلة بنشر الازدواجية عموما، مع مايتطلبه مثل هذا الدور من الخاصيات المباينه المتعدية للمحلوية الكيانيه"الوطنيه/ القوميه"، مع الديناميات الاصطراعية الضرورة لاجل التعبيريه عن الذات، ابتداء من الطور الاول حين لم يكن واردا التحقق لنقص الوسائل الفادح.
من هنا وبحسب اشتراطات الطبيعه وديالكتيكها، تنشا اللاارضوية محكومة لعنصرين حيويين، الاول الاصطراعي مع البيئة الطاردة والتي تنتج حالة عيش على حافة الفناء لمعاكسه البيئة المدمره، تتبعها بسبب انفتاح الحدود شرقا وغربا وشمالا معضلة الانصبابات البشرية النازلة باتجاه ارض الخصب، بالمنطق الارضوي المجبول على الهيمنه والغلبة ضد حالة متبلورة نوعا، تجعل منها اما ان تعيش بذاتيتها المخالفة بنية للارضوية او تزول من الوجود، علما بان الاسباب التي اوجدتها بالصيغة التي هي عليها لا تتغير ولاتزول، وتظل فاعلة تولد النوع المجتمعي الملائم لفعلها، هذا ومن اهم خاصيات اللاارضوية كنمط ونوع مجتمعية حاجتها الى التعبيريه الذاتيه فوق الارضوية، باعتبارها ضرورة حياتيه قصوى، وعنصر تبرير للوجود استثنائي، يولد مجتمعية بمقابل مجتمعية، او مقابل اشتراطات الطرد البيئي لاجل التوازن وحفظ الوجود الافتراضي، خارج المضادات المحيطة، يعزز هذا الميل حضور الطرف الاخر المجتمعي ووطاته، وماقد يصله من مستويات من الفعل قد تصل حد التهديد بالابادة من قبل "المدينه/ الامبراطورية" المعزوله المسورة اعلى تسوير والتي تضطر الجماعات لاقامتها على حواف المجتمعية اللاارضوية العليا، كما الحال مع " بابل" و " بغداد".
وبحكم الطبيعة والتكوين فان الذاتيه كما يعبر عنها لاتاتي محلوية باية درجة، فمنطلقها الاساس كوني فوق ارضوي، وهو كما هيات الطبيعة الاسباب كيانيه غير جغرافية ولامكانيه او قومية، لاتحتاج لتحققها للارض بل الى تعديها ذهابا الى البنيه البشرية (العقل/ جسدية)، مايجعل المجتمعات الارضية ناقصة، ويدفعها دون وعي منها للبحث عن اكتمال بنيتها مايحقق للاختراقية اللاارضوية بصيغتها الاولى اليدوية النبوية "الابراهيمه"، بحضورها كمجتمعية اخرى داخل بنية المجتمعات الارضية، وهو ماكان ضرورة ولزوما اقتضى ديناميات الانصباب الاوربي والشرقي، الروماني والفارسي في الشرق المتوسطي، لينتهي بالاختراقية المضادة المسيحية الاسلاميه، الذاهبه الى الهند والصين شرقا واوربا غربا الى اليوم، كعنصر كينونة بنيوية وليس كعقيدة كما تصور اعتباطا.
