للذهاب الى صفحة الكاتب   

من رحم النضال/ 14

د. مزاحم مبارك مال الله

 

 

أخبرني محمد أن الموافقة على (س) ربما تأخذ بعض الوقت؛ لأنه من أهالي السليمانية، والسبب مكان إقامة عائلته القديم، وهو بعيد عن بغداد.. هذا هو السبب، ليس أكثر.. "وأرجو أن تستمر بعلاقتك معه".

كان محمد منبهراً من نشاطي هذا، وقال:

"والله يا مزاحم، أنت شعلة من النشاط، وعاشت إيدك.. ولكن لا تستعجل وخذ الحذر، فالسلطة واتحادها الوطني، خائن الطلبة، ولهم عيون."

 

طلب مني محمد أن نبدأ بدراسة الإنكليزي، وفعلاً بدأنا نراجع الدروس. ويبدو أن زملاءنا في قيادة التنظيم في الكرخ قد ضغطوا عليه، ويجب أن ينجح هذا العام، بحسب ما هو متعهَّد به؛ فالسنوات التي قضاها في الثالث المتوسط بين التأجيل والفشل، لا بد أن يجتازها.

بدأنا بمحاضرة في بيته يوم جمعة، وبعد أسبوع أخذنا المحاضرة الثانية، وفي الثالثة حصل ما لم يكن في الحسبان، بل كان مفاجئاً لي وله ولأهله.

 

كنا نبدأ الدرس في العاشرة صباحاً، وننتهي في الساعة الثانية عشرة ظهراً. كنت أصل في العاشرة إلا ربعاً إلى بيته، وبعد أن نتناول الشاي والكعك، نبدأ بالدرس.

وفعلاً بدأنا في ذلك اليوم، حيث سمعنا طرقاً شديداً على باب بيتهم الحديدي، الذي تعلوه قمرية العنب وأغصانها المتدلية. همّت إحدى أخواته بفتح الباب، فلحق بها محمد طالباً منها الانتظار. وبعد ثوانٍ عاد مسرعاً ليقول:

"مزاحم، الأمن جاؤوا ليقبضوا عليّ.. كن هادئاً، وإذا سألوك فقل لهم: كان هنا واستأذن بالذهاب إلى الحمّام."

وفعلاً اختفى محمد خلال لحظات، لكنني شعرت بالغربة الحقيقية، فقد اعتدت على إرشاداته.

 

دخل عناصر الأمن إلى الصالة التي كنا نجلس فيها، فوجدوا دفاتر الإنكليزي وكتبه، وأوراق الملاحظات والأقلام، كلها على الطاولة الخشبية المتآكلة. فسألني أحدهم بعصبية:

     كَوم ولك.. شسمك؟

• فقلت له اسمي.

     جان عدكم اجتماع مال شيوعيين مو؟ ادبسز!

شعرت بمذلة كبيرة، وقلت:

     يا اجتماع؟ يا شيوعيين؟ محمد صديقي في المدرسة، وجئت أدرّسه الإنكليزي.

     صديقك في المدرسة لو رفيقك بالحزب؟

فقلت:

     يا حزب؟! أنا ما أعرف أي حزب!!

 

كنت أجيب عن أسئلتهم، وحقيقةً كان الخوف قد أخذ مني مأخذه؛ والخوف سببه ذلك الفيلم السينمائي السريع الذي مرّ أمام عيني، وأعادني إلى الأيام التي سبقت انقلاب شباط الأسود، حينما ألقوا القبض على صبحي وغيبوه في سجونهم لمدة أشهر.

     وينه محمد؟

     كان هنا، وراح للحمّام.

بدأوا بتفتيش الغرفة، ونفضوا دواشك الكرويتات، وبعثروا الدفاتر والكتب، ثم فتشوني، وأحدهما قال للآخر:

"جيبه."

وحينما قال له: "جيبه"، لم أفكر إلا بمصير أهلي الذين حافظوا على سرية عملهم لسنوات.

وحينما اصطحبوني إلى خارج البيت، رأيت أم محمد وأختيه تنظران إليّ بنظرة عطف وتشجيع.

 

ورأيت سيارة [فولكس واكَن]، أو ما تُعرف بالعراقي بـ(الرَّكَة)، قد ركنت عند باب بيت محمد، وفي داخلها شخصان لم أتوقع أن أراهما.

(يتبع)