للذهاب الى صفحة الكاتب   

من رحم النضال/ 15

د. مزاحم مبارك مال الله

 

 

كانت سيارةُ كلابِ الأمن تقف عند باب بيت محمد، حيث لمحتُ وجود شخصين في داخلها. دفعني أحدُ رجال الأمن بزجر قائلاً: "اصعد... صعدت روحك!"

تفاجأتُ لما رأيتُ جودت و(ع). يا إلهي... ما هذا؟ من الذي دلَّ الأمن عليهما؟ كيف أُلقي القبض عليهما؟ وهل اعترفا على محمد؟ هل توجد خيانة؟ هل انكشفنا؟ كلُّ هذه الاستفهامات ازدحمت في دماغي خلال لحظات.

 

كنتُ كتفًا إلى كتف مع جودت، الذي كان يلفُّ ذراعيه تحت إبطيه، وقد نكزني في رسالةٍ منه لم أفهم معناها بالتحديد؛ هل أراد أن يقول لي: (ولا يهمك، ولا تخف)؟ أم أراد أن يقول: (تحمّل، ولا تذكر أي اسم)؟ أم أراد أن يخبرني:(أنكر معرفتك بنا)؟ حقيقةً، لم أتمكن من تفسير نكزته تلك.

 

كانت السيارة تضمُّ ستة أشخاص، رغم صغر حجمها وعدم سعتها لهذا العدد؛ السائق، وآخر في المقعد الأمامي، وكلب إضافي حشرنا نحن الثلاثة في جلسة مؤذية جدًا.

 

تحركت السيارة بنا، فالتفتَ الجالس في المقعد الأمامي موجّهًا سؤاله لي:

     "تعرف هذولي؟"

• لا... لا أعرفهم.

     "وفوكها اتجذب... يعني وياك بالمدرسة وما تعرفهم؟ بابا، انت بعدك طفل، اهتم بدروسك."

(فعلاً، كان حجمي صغيرًا ولا يتناسب مع عمري).

 

سارت السيارة باتجاه الشارع العام، ولكن أحدهم، ويبدو أنه مسؤولهم، قال للسائق:

     "لا... ارجع إلى شوارع البياع، أكيد سنعثر على محمد."

بقيت سيارة الأمن تلفُّ بنا الشوارع، ولم يعثروا على محمد، فقرروا العودة إلى بيت محمد بحركة تصوّروها ذكية، لكنها كانت تدل على غبائهم وخيبة أملهم.

ركنت السيارة مرةً ثانية عند بيت محمد، واقتحموا الباب الخارجي عسى أن يكبسوا على محمد، وبقوا يتحدثون فيما بينهم، إلا واحدًا بقي معنا.

بعد وهلة عادوا، ودنا أحدهم مني عبر شباك السيارة، مؤشّرًا لي وبصوتٍ آمِرٍ عالٍ:

"انت ولك... انزل... تعال يمي."

ترجلتُ من السيارة ووصلتُ عنده، فقال وهو يؤشر بيديه، وأصابعه قابضة على بعضها كأنه يريد الانقضاض على فريسته:

     "شوف ولك، منعول الوالدين، راح أرحم بحالك لأنك بعدك طفل، وهذولي الهتلية يريدون يلعبون بعقلك... وين بيتكم؟"

• بشارع 13.

     "اندار منّا ولا تلتفت... روح... وإذا شفتك مرة ثانية أطلّع عيونك."

وبحركةٍ مباغتة لم أتوقعها، صفعني صفعةً قويةً جدًا على خدي، سمعتُ حينها طنينًا في أذني، صارخًا بوجهي:

     "يلله... ولّي!"

(يتبع)