
من رحم النضال/ 16
د. مزاحم مبارك مال الله
عشراتُ الأسئلة جالت في خاطري وأنا في حالة ذهولٍ مما جرى، وأنا أبتعد عن موقع غزوة الأمن القذرة. وفعلاً، لم ألتفت إلى الوراء حتى بلغتُ الشارع الرئيسي في البياع، شارع 20، قاطعاً الدرب بسرعة عرضاً باتجاه شارع 13، والذي ما إن رأيتُ علاماته حتى شعرتُ ببعض الهدوء النفسي، وأصبح القلق أقل، دون أن يغيب عني احتمال أن يكون أحدهم ربما يسير ورائي.
أين حلّ بك الدرب يا محمد؟ هل نجوتَ من فخهم؟ هل نجح محمد في الإفلات منهم؟ كيف ألقوا القبض على جودت و(ع)؟ ومن هدى الأمن إلى بيت محمد؟ أيُعقل أن أحدهما أبلغ الأمن؟ هل اعترف أحدهما، أو كلاهما، على العدد الكبير الذي كان مجتمعاً في ذلك اليوم المشهود؟ كيف سيكون مصير (هـ) و(ع) و(س)؟ هل سيراقب الأمن بيتنا، وأكون سبباً في جلب المشاكل لإخوتي وعائلتي؟
وأنا أسير في الأزقة، والتي بالنهاية تصل بي إلى البيت، تخيلتُ القصص التي كنت أسمعها من الكبار عن أقبية الأمن، وكيف كانوا يعذبون الوطنيين، وخصوصاً الشيوعيين. ودارت بذهني مرة أخرى دوامة الأفكار السوداوية. مؤكد أن جودت و(ع) الآن تحت التعذيب، ومؤكد أنهم تمكنوا من محمد ليعذبوه أقسى أنواع التعذيب، ومؤكد أن أحدهم، أو جميعهم، سيستشهد كما استشهد فلان وفلان من رفاق الكبار تحت التعذيب.
وصلتُ البيت، وكنت أتصبب عرقاً. شربتُ الماء، ورأيت أهلي، فاطمأنت نفسي، وشعرت أني في وضع آمن. ولكن... ولكن ماذا حلّ بزملائي الأحبة: محمد و(ع) وجودت؟
في اليوم التالي، في المدرسة، وبسذاجة الأبرياء، كانت عيناي تبحثان بين وجوه الطلبة عن محمد و(ع) وجودت. لم أعثر على أيٍّ منهم، فزاد قلقي عليهم، وتذكرت حديث محمد: "يا مزاحم، إن مشوارنا طويل وصعب ومتعب". نعم يا محمد، صدقتَ فعلاً... إنه مشوار النضال العتيد، ولأول مرة ينتابني شعور أن كل الناس سيموتون، ولكننا نحن سنموت بالعزة والكرامة والشرف. سنموت أحراراً، ومعنا الحقيقة. إننا نختلف عن كل الناس؛ حتى قبورنا سيزورها حاملو رايات النضال، وليس النائحون البكّاؤون.
وبالصدفة البحتة، التقيتُ (هـ) في مساء ذلك اليوم (أقصد اليوم الثاني من الغزو الأمني القذر)، وسألني بروحه المرحة الطيبة:
• "ها مزاحم، ماكو أخبار؟ ماكو شي جديد؟"
- فقلت: أيُّ أخبارٍ، عزيزي؟
• "أخبار الجماعة؟ أقصد الاتحاد."
فقلت:
- لا شيء جديد، وربما سوف لا نلتقي خلال الأيام القليلة القادمة، لأن لدينا امتحانات شهرية، كما تعرف.
أما (س) و(ع)، فلم يبادرَا بأي سؤال، ولم أذهب إليهما، في محاولة مني لتحديد حركتي واتصالاتي، تحسباً لأي مراقبة.
(يتبع)
