للذهاب الى صفحة الكاتب   

الاشوريون في التاريخ- الحلقة 30

اشوربانيبال  668- 627 ق . م

يعكوب ابونا

 

توفى الملك اسرحدون في العاشر من شهر "مرهشوان" تشرين الاول/ تشرين الثاني سنة 669 ق. م، اثر مرض اصابه في حران وهو بطريقه الى مصر لتاديب الخارجين عن طاعة اشور، ولسيطرتهم على ممفيس ودلتا النيل  ."1"

فاعلن اشوربانيبال (اشور – بان – ابلو) اسمه (الاله اشور خالق الابن). ملكا للدولة الاشورية، عام "668 ق.م "وذلك تنفيذاً للخطة التي كان قد وضعها والده اسرحدون اثناء حياته، والتي كانت تقضي ان يكون اشوربانيبال ملكاً على نينوى، واخوه شمشي- شوم– اوكين على بابل، على ان يعترف بسيادة اخيه اشوربانيبال.

كان لهذه الخطة ابعاد سياسية واجتماعية وعائلية، اهمها الحد من حدوث اية نزاعات عائلية على خلافة العرش من بعده، ومن ناحية اخرى اخذ بنظر الاعتبار الجانب التوافقي بين عرش نينوى وبابل، لترضية البابليين بنوع من انواع الحكم الذاتي، خاصة وان والدة شمش – شوم – اوكين كانت بابلية،.

 

كان هذا التعين قد سبب اختلاف وانقسام بين نبلاء وامراء البلاط في نينوى، ادى الى نشوء تيارين من مؤيد ومعارض، اذ يذكر بان اسرحدون في الوقت الذي كان يحقق انتصاراته غانما مظفراً في حروبه مع سوريا ومصر وفلسطين، كانت الفتنه قد بدأت في نينوى بسبب هذا التعين، لان بعضهم اعتبر تعين اسرحدون ابنه الاصغر اشوربانيبال وريثاً لعرش نينوى، عوض عن اخيه الاكبر شمش– شوم– اوكين الذي عينه على بابل. اساءة لنينوى وخرقا لقانون الوراثة وللعرف السائد في الدولة الاشورية، لا بل ان البعض منهم اعتبره تحديا للراى العام الاشوري.

واما الجناح الاخر من عظماء ورجالات الدولة كانوا ضد تعين شمش– شوم– اوكين وليا لعرش نينوى، خشية من ان يميل لتحقيق مصالح بابل على حساب نينوى بسسب تربيته او انحيازه الى امه البابلية، فكان استبعاده من عرش نينوى هو القرار الاصوب.

ولكن المعطيات تشير الى ان قصد اسرحدون من هذا التعين كسب ود البابلين ورضاهم بان يكون حاكمهم او ملكهم هو احد ابناءهم، كما بادرت "كما يذكر جورج رو ص 438" بان والدة اسرحدون الارامية الاصل "نقيعة – زاكوتو" بالقاء بثقلها لصالح كفة اشوبانيبال ليستحصل من البابليين وحاكمها المقبل عهدا بالاخلاص لحاكم اشور،", ولكن رغم كل ما اتخذ اسرحدون من الاجراأت لتلافي اي خلل او امتعاظ او مقاومة لهذا القرار، الا ان النتيجة كانت اختلاف بوجهات النظر لدى عظماء المملكة، مما ادى ذلك الى قيام الفتنة في نينوى، وصلت حد الثورة في اشور فما كان من اسرحدون الا ان يبيد بحد السيف جمعا غفيرا من اعيان مملكته الذين لم يحتملوا ان يكون اشوربانيبال ولي عهد لمملكة اشور، بدلا عن شمش -شوم -اوكين  ".3"

 

اثبت اشوربانيبال بانه كان من عظماء العسكريين لما قام به من الجانب العسكري والاعمال الحربية التي ابدع بها، ولكن حياة هذا الرجل لم تحدد بجانب معين من الحياة، اذ ان ما قام به في جوانب اخرى تستوجب الذكر والدراسة، لذلك سنتحدث عنه بعد الحديث عن اعماله الحربية، خاصة عما قام به من الجانب الثقافي والعلمي والعمراني، ولو بشكل بسيط ولربط الاحداث مع بعضها، ومنها لكي نتوصل الى علاقة كل ذلك بما الت اليه الامور في الدولة الاشورية بعد رحيله، وكيف نشات الدولة البابلية الحديثة التي سميت بسلالة بابل الاخيرة.. .

 

كانت اولى مهمات الملك الجديد هي اخماد التمرد الذي حدث في مصر الذي كان قد بدا في عهد ابيه اسرحدون، فقام بارسال قائد حربه "ترتان" الى سوريا حيث جمع جيوشا جهزها، "اثنان وعشرون ملكا من ساحل البحر ومن وسط البحر ومن الأرض الرئيسة". زحفت كلها نحوه مصر وعندما التقوا بجيش ارسله تهارقا لصدها، سحقوه بالكامل فاضطر الفرعون تهارقا الى ترك ممفس في زورق والهرب الى طيبه (يسميها الاشوريون نيع). وحقق النصر الجيش الاشوري سنة 667 ق. م، ولم يتخلف الجيش الآشوري عن تعقب الفرعون الفار االى مدينة ثيبس وتحصن فيها فتبعه الاشوريون وانتهوا الى ثيبس باربعين يوما، كما قام اشوربانيبال بارسال ربشاقي الى مساعدة ترتان فانضم اليه، فهرب ترهاقا من تبيس الى نافاطا قاعدة بلاد الحبشة فطلب سكان تيبس الصلح فدخل الاشوريون المدينة واخذوا نصف ما كان في خزائن هيكل امون، ورجع اشوربانيبال الى نينوى غانما منصورا ، ". 4 ".

  وانهوا هذا التمرد واعادة النظام الى البلاد، ولكن ما ان وصل الجيش الاشوري الى سوريا بطريقه الى اشور، حتى وردت اخبار عن ان امراء الذين وقعوا لاشور، عقدوا سرا اتفاقا مع ترهاق على قتل الاشوريين في مصر على ان يجلسوا هم على سرير الفراعنة ويحكموا هم كل واحد بلده، فوقعت رسائلهم بيد الاشوريين وفي الحال تم القبض على هؤلاء المتامرين وكانوا ثلاثة ملوك وهم: شرلوجاري ملك ثانيس وفاقور ملك فيسوفي ونخا "نيخو" ملك صعيد مصر. وتم التنكيل بمدنهم وارسلوا هؤلاء المتامرين الى نينوى، ولكن اشوربانيبال اكرم نيخو وخلع عليه ثيابا نفيسة واعطاه سيفا غمده من ذهب وعجلة وحصانا وبغالا ورد عليه مدينة سائس وجعل ابنه البكر بسماطيق اميرا على اثريبس وسماه نبوشيزباني، واستمر "نيخو" امينا مع اشوربانيبال. وعندما مات الملك تهارقا في المنفى سنة 663 ق. م استولى ابن اخيه "زوج ابنته تاندمان – تانواتام "طانوت – امون" على طيبة واونو "هليوبولس" وواصل زحفه الى ممفيس، حيث كانت الجيوش الاشورية متمركزة، فانقض عليه ملك اشور، وارغمه على الفرار شطر الجنوب، وظل يطارده حتى بلاد النوبة، واستولى عليها الاشوريين ونهبوها ودمروها فولد انطاباعا فظيعا لمناطق البحر المتوسط ، ولقد اشار اليها في سفر ناحوم النبي، وعندما عاد الى اشور حمل معه مسلتين مصريتين في جملة ما حمل من غنائم ارض الفراعنة  واسلابها. " .. 5 "

.   وهكذا تحققت السيطرة الكاملة والتامة على مصر في عام 663 ق.م فكان ذلك تحقيقا للسيطرة الاشورية للحد الاقصى للجنوب الغربي، كما امتدت سيطرته من الشمال الغربي بعد ان تم له ضم اسيا الصغرى الى الامبراطورية الاشورية..

ولكن عندما توفى نيخو 663 عينوا مكانه بسامتيج المسؤول الاشوري الاعلى، الذي حاول في اوائل الخمسينات من القرن السابع بتوطيد الاسقلال القومي من خلال طرد الحاميات العسكرية الاشورية التي تركت في مصر، فكان لهذا الامر اصداء كثيرة ،"6 "

 

يقول المؤرخ اليوناني الكبير (هيرودوتوس) المولود في اسيا الصغرى في القرن الخامس قبل الميلاد، بان (بسامتيخ) الذي كان الاشوريين قد عينوه المسؤول الاعلى على البلاد لانه كان من المقربون لهم وحتى ان اسمه كان  يحمل طابعاً اشورياً، فاخذ يستدرج قطاع الطرق من اسيا الصغرى واليونان لينزلوا الى مصر، وان من يسمون بقطاع الطرق كانوا من اتباع الملك، (جيج) ملك ليديا الذي كان اشوربانيبال قد قدم له العون العسكري ضد السيمريين. وبالنظر للعلاقات التجارية البحرية التي كانت تربط بين ليديا ومصر، ورغم ان جيج وبسامتيخ كانوا من اتباع اشور المدللين. الا ان واقع المصالح التجارية فرضت على ملك ليديا ان يختار بين مصر وولائه لاشور. فعندما علم بان بسامتيخ قرر الخلاص من السيطرة الاشورية، فما كان من جيج الا ان يقف معه بمساندة مصر ."7"

كان رد اشوربانيبال عليه بان قرر عدم تقديم اية مساعدة لملك ليديا في ازمتها عندما تعرضت لهجوم السيمريين مجدداً، في عام 652 ق.م فغزة مملكته وقتل في المعركة، واستطاع بسامتيخ من اخراج الاشوريين من مصر كاملا عام 651 ق.م. في هذا الوقت كانت القلائل والاضطرابات متصاعدة في كل انحاء المملكة الاشورية، كان من الصعوبة للاشوريين في مثل هذه الظروف التي تمر بها المملكة من اعداد الجيوش وتعبئتها لمصر، لان ذلك كان يشكل عبىء ماليا كببرا على الدولة، في الوقت الذي كان محاولا السيطرة، او اخماد بعض الاضرابات والقضاء على الاضطرابات في انحاء اخرى من المملكة.

 

وسوف نستمر بالحديث عن عظمة هذا الملك في حلقات لاحقة . بعون الله ..

يعكوب ابونا ....................   28 /6/ 2026

 ___________  المصادر ___________________

1-طه باقر مقدمة في تاريخ الحضارات ص 197

2-عزيز برخو عزيز اشوريون ص 37

3-ل. دولابورت بلاد ما بين النهرين ص 281

4-ادي شير كلدو واثور ج1 ص 123

5-ل .دولابورت  المصدرالسابق ص 282

6- جورج رو العراق القديم ص 441

 7-هنري ساغس عظمةبابل ص 131

8- هنري ساغس حبروت اشور ص 164