للذهاب الى صفحة الكاتب   

لا جديد في لبنان: العدو وأعوانه يكررون أنفسهم منذ 17 أيار 83 وسيفشلون

علاء اللامي

كاتب عراقي

 

الاتفاقية الإطارية "ورقة واشنطن" بين الحكم اللبناني والكيان مقارنةً باتفاق 17 أيار 1983 في عهد حكم آل جميل، وماذا عن الموقف الإيراني اليوم: قبل البدء أود أن أسجل هذه الشهادة لوجه الحق والإنصاف؛ أسجل أن الصورة التي تداولتها بعض الصفحات على منصات التواصل لسفيرة لبنان ندى حمادة معوض وهي تحتضن سفير دولة العدو أو هو يحتضنها ليست صحيحة والأرجح أنها مفبركة. وقد شاهدت فيديو مراسيم التوقيع الكاملة، وهو موجود على الانترنيت، وهي لم تصافح مجرد مصافحة سفير العدو، ولم ترد على كلمات المجاملة والإطراء التي قالها لها. هذه ليست تبرئة لها عن دورها المشؤوم في التوقيع على الاتفاق المشين والمضر بلبنان الشقيق ولكنها شهادة لوجه الحق ورفض تقديم هدايا ساذجة يحلم بها العدو.

 

الموقف الإيراني: لا يمكننا تفسير الصمت الإيراني على توقيع الاتفاق الاستسلامي المهين بين حكومة نتنياهو وحكم الثنائي عون وسلام بإشراف ووساطة الخارجية الأميركية، بشكل سلبي وكأنه استسلام لصروف المقادير. بل هي مرحلة صمت تمرُّ بها الدبلوماسية الإيرانية دائما قبل القيام بمناورتها الرئيسة ردا على حركة العدو. وكأنها أرادت أن تترك لنتنياهو وعون وسلام وجعجع أن يستمتعوا بالانتعاش قليلا بإنجاز توقيع تلك ورقة ثم يأتي رد الفعل الإيراني لاحقا وأرجح أن يكون متدرجا حتى إخراج هذه الورقة الإطارية من التداول وإبطال مفاعيلها وإسقاط الموقعين عليها! حتى التصريح الطازج لوزير الخارجية الإيراني في بغداد قبل ساعات والذي أكد فيه على أن أول بند في مذكرة التفاهم مع واشنطن هو وقف الحرب في كافة الجبهات، بما فيها لبنان ومطالبا بانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي تحتلها في لبنان". أوقل حتى هذا التصريح لا يمكن اعتباره ردا على توقيع الاتفاق الإطاري مع العدو فهو مكرر ولا جديد فيها هو استمرار إيران بخيارها في الضغط من أجل تحقيق انسحاب العدو رغم انحياز الثنائي الحاكم بلبنان لخيار نتنياهو وتفضيله للإذلال الأميركي والإسرائيلي على الحل الكريم الذي تريده إيران!

 

*موقف المقاومة: صحيح أن رد فعل المقاومة الإسلامية في لبنان على توقيع ورقة واشنطن جاء حادا وقويا ولكنه ظل منضبطا على الأرض ولم تسجل أفعال تدل على الذعر أو الارتباك. أما موقف الذراع السياسي للمقاومة ممثلا بتصريح نبيه بري فقد جاء هادئا وموحياً ومحذرا، ولكنه خلا من أي تعليق أو موقف نقدي واضح من اتفاقية العار كما سماها أغلب المعارضون لها سوى اعتبارها "فتنة" وهذه الكلمة لا تقول الكثير سياسيا. يبدو أن الرئيس بري في استعادته لمقول الإمام علي بن أبي طالب الشهيرة "كن في الفتنة كابن اللبون لا ظهرا فيُركب ولا ضرعا فيُحلب"، حاول أن يستمر في إمساك عصا الدبلوماسية من وسطها وهذا أمر مهم، ولكن اتخاذ موقف من التوقيع على الاتفاقية لا يقل أهمية.

 

*موقف الحركة الوطنية اللبنانية: الباعث على التفاؤل والأمل أن ردود أفعال القوى والشخصيات الوطنية اللبنانية جاءت جذرية وواضحة في رفضها للاتفاق وخصوصا مواقف القوميين السوريين والعروبيين والإسلاميين الرافضين للاستسلام للعدو والحزب الشيوعي بقيادتيه الحالية والسابقة. أما موقف التيار الوطني الحر "العوني" الحليف السابق لحزب المقاومة فقد جاء مائعا وغامضا وعاتبا خلاصته " كل اتفاق لا يحظى بتأييد وموافقة واسعة على المستوى الوطني هو أمر بالغ الخطورة على المجتمع اللبناني". أما موقف الزعيم الدرزي وليد جنبلاط فقد كان أكثر نقدية من موقف العونيين وقال إن هذا الاتفاق الذي يظهر في الشكل كصيغة ثلاثية الأطراف (بين الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل) ولكنه مضموناً يعتبره "أُحادياً" يفتقر إلى التوازن ويعكس إملاءات. كما انتقد جنبلاط بشدة التجاهل التام لاتفاقية الهدنة بين لبنان والكيان التي تُعد الإطار القانوني والتاريخي المعتمد لترسيم الحدود وضبط النزاع. وهذه هي حقيقة الاتفاق كما عبر عنها جنبلاط فهو وثيقة فرض وإملاء من قبل الكيان بدعم أميركي على حكم الثنائي الخانع في بيروت والهادف إلى القضاء على المقاومة اللبنانية المسلحة التي تدافع عن لبنان واللبنانيين الذين خذلتهم دولة عون وسلام. ولم يصدر أي موقف عن سعد الحريري أو أي من المقربين منه حتى الآن.

 

*حالة الحكم بعد التوقيع: إن الواقع الماثل أمامنا يقول إن موقف الحكم ممثلا بالثنائي عون وسلام في منتهى الضعف والحرج. وهو يعاني من الارتباك والتخبط، وقد زاد من تخبطه عنجهية وتفاخر مجرم الحرب نتنياهو بما أنجزه وتوجيهه الشكر للحكم اللبناني الذي ساعده بكرم حاتمي على لنجازه وقوله "بتوقيعها اتفاقاً معنا تقول الحكومة اللبنانية عملياً لحزب الله اخرج من لبنان. هذا الاتفاق يمكّننا من إنهاء الصراع مع لبنان" وكلام مجرم الحرب هنا واضح وخبيث من أهدافه؛ ترويج نفسه في الموسم الانتخابي ودفع الوضع في لبنان إلى اقتتال أهلي مدمر. ومما يزيد في ضعف وهشاشة موقف ووضع الثنائي عون وسلام وشريكهما المتصهين سمير جعجع هو أن واشنطن لم تقدم لهؤلاء أصغر إنجاز أو ما يمكن وصفه بالإنجاز ليحتجوا به أمام معارضيهم، بل هي ومعها السعودية منعتهم حتى من الاستقواء بالموقف الإيراني الداعم وهذا ما سوف يسهل سقوطهما قريبا خصوصا إذا تجرأوا على زج الجيش اللبناني في صدام دموي مع المقاومة المشتبكة مع العدو.

 

وبخصوص الجيش ومع التقدير لموقفه الأخير الرافض للانخراط المبكر في مظاهر تطبيعية فلا يمكن المراهنة على قيادة الجيش والتي هي بالتالي مؤسسة من مؤسسات نظام حكم الطائفية السياسية الرجعي وتأتمر بأوامره ولكن يمكن المراهنة على الجنوب والمراتب الوسطى فهم يظلون أبناء الشعب والطبقات الكادحة خصوصا.

 

*أخطر ما ورد في ورقة واشنطن: أعتقد بأن أخطر ما ورد في ورقة العار، إضافة إلى الاعتراف المجاني بالكيان وتشكيل لجان معه لوضع "اتفاقية سلام وأمن شامل/ الفقرة 12" وتوريطه الجيش اللبناني في السيطرة على مناطق فشل جيش العدو في السيطرة عليها كتلة علي الطاهر، لعل الأخطر هي هذه الفقرة من البند 13 والتي تنص على "وقف جميع الأعمال العدائية أو السلبية في المحافل السياسية أو القانونية الدولية". هذه الفقرة الخطرة تعني تنازلا لبنانيا رسميا عن أي حق مستقبلا في المطالبة بتعويضات أو ملاحقة قانونية دولية للعدو بسبب ما ارتكبه من جرائم ومجازر بحق الأبرياء وهم بالآلاف وتدمير ونسف مئات القرى والبلدات. والحقيقة فإن هذه الفقرة لا يمكن أن يوافق عليها إلا مجنون أو خائن صريح يعمل بالمكشوف لمصلحة العدو.

 

مقارنة مع اتفاقة 17 أيار الخياني الساقط: ومع ذلك، ومع كل نقاط ضعف هذا الاتفاق، ولكن إسقاطه كما أرجح لن يكون فوريا. هو اتفاق ميت استراتيجيا نعم، ولكنه قد يستمر لفترة قد تطول ولكنه سيسقط في النهاية. والسبب هو الخلل البادي في موازين القوى لمصلحة العدو رغم وجود الحليف الإيراني للمقاومة. وإذا كان اتفاق 17 أيار 1983 الخياني مع الكيان بواسطة أميركية أيضا والذي وقع عليه الرئيس أمين الجميل قد ألغي قبل المصادقة عليه بعد أقل من عام أمام الرفض الشعبي المدعوم سوريا، رغم أن هذا الاتفاق كان مدعوما من الزعامات والقيادات الدينية السنية والشيعية والمسيحية التقليدية فإن اتفاق ورقة العار مع حكومة سلام قد يستمر لفترة أطول، وقد يرتكب العدو مجازر دموية خطيرة أخرى، ولكنه سيغامر بتسريع إسقاط حكم الخيانة والتفريط ببيروت.

 

سياسيا كان سقوط اتفاق 17 أيار 1983 قد هزَّ بعنف حكم الرئيس أمين الجميّل وبروز دور حركة أمل وبدأت أولى إرهاصات تأسيس حزب المقاومة الذي سيعلن عنه رسميا في 1985، وتم إضعاف الزعامات الشيعية والسنية التي أيّدت اتفاق أيار أما على المستوى الخارجي فقد نتج عن إلغاء الاتفاق هزيمة دبلوماسية قاسية للكيان وفشل للدور الأمريكي الغربي في لبنان.

 

إنما علينا أن نتذكر أن إسقاط اتفاق 17 أيار الخياني بعد أقل من عام على توقيعه ولكنه لم يجبر العدو على الانسحاب من لبنان. واستمرت المقاومة بتوجيه الضربات إليه حتى تكلل كفاحها بالانتصار وتحرير الجنوب بالكامل وطرد قوات العدو. لقد هربت تلك القوات ليلا بتاريخ 25 أيار سنة 2000، ومن دون أن تخطر مليشيات عملائها في قوات الخائن إنطوان لحد بانسحابها ففرت هذه القوات في أعقابها مجللة بالعار والذلة!

 

إذن، بانتظار رد الفعل الإيراني الذي قد لا يصل إلى درجة القطع والخروج على اتفاق اسلام آباد جنيف كليا وتلك هي أُمنية نتنياهو الأولى، فإن ورقة واشنطن ستبدأ تتآكل وتنكمش على الأرض، وستستمر الفعاليات اللبنانية الوطنية السلمية بمحاصرتها ومحاصرة الموقعين عليها إذا لم يتراجعوا عنها. وقد تبادر المعارضة البرلمانية إلى القيام بخطوات عملية لإسقاط حكومة نواف سلام أو دفعها إلى الاستقالة مع الحرص على عدم تسهيل مهمة التيار الانعزالي المتصهين بقيادة جعجع بالتحالف مع الثنائي عون وسلام في زج البلد في اقتتال أهلي.

 

*رابط يحيل إلى النص الكامل للاتفاقية الإطارية بين الحكم اللبناني والكيان:

https://asharq.com/iran/188065/%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B5-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%A7

%D9%85%D9%84-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B7%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%84%D8%A7%D8%AB%D9%8A-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A3%D9%85%D9%8A%D8%B1%D9%83%D8%A7-%D9%88%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86-%D9%88%D8%A5%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84