للذهاب الى صفحة الكاتب   

العرب بين ترميم الحاضر وتأهيل الماضي

محمد حمد

 

 

يكمن الفرق الجوهري بيننا وبين بقية مجتمعات وشعوب العالم في هذه النقطة: نحن مرتبطون بالماضي بحبل من مسد. نستحضره في كل مناسبة ونعيد صياغته وتأهيله بالشكل الذي يتناسب مع احداث الحاضر. بينما تقوم الشعوب الأخرى بالاستثمار في المستقبل والبناء عليه. وبالتالي فهم يسيرون إلى الأمام بخطى ثابتة وأحيانا بقفزات موزونة. أما نحن فندور في نفس المكان. لا يتعبنا الدوران لأننا على قناعة بأن الأقدار قدّرت لنا أن نلعب هذا الدور. 

ما زلنا نعيش في الماضي بعيون ورؤوس وعقول تنتمي إلى الحاضر الممنوع من الصرف. ونملأ الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي بما يفترض أنه اصبح من اساطير الأولين.

واليوم خرج علينا أحدهم بالقول إن الكعبة كانت في الطائف وليس في مكة. وهذا القول يكفي لإثارة الجدل والقيل والقال بين أكثر من جهة أو طرف.اما في اوروبا، لانهم ينظرون إلى المستقبل بعيون ثاقبة وقلوب صافية، فلا تسمع أحدا يتحدث في وسائل التواصل الاجتماعي عن حدث مرّت عليه أكثر من ألف سنة. فهؤلاء الناس، في أوروبا اقصد، منحوا الماضي حق قدره، كماض مضى وانقضى. وركزوا جلّ اهتمامهم، سواء كانوا مفكرين أو سياسيين أو حتى رجال دين، حول  كيفية تطويع واستثمار الحاضر ليكون قاعدة راسخة لمستقبل أفضل.

أما نحن فنرى في الماضي البعيد امتدادا لوجود الحاضر الساكن عن الحركة، والذي يمثل في كثير من الاحيان حجر عثرة في طريق المستقبل. فكلما خطونا خطوة إلى الامام، ولو بالانجاه الخطأ، تذكرنا أن لنا ماض "مجيد" ينبغي أن نتشبث به وتقدسه والا فقدنا هويتنا وضيّعنا أصولنا. اما الشعوب الأخرى فقد كفت عن الحديث عن الأصول والفصول والجذور.  ومن اين انت والى أية ملة تنتمي؟

ومن يطلع على مواقع التواصل الاجتماعي والمنصات الثقافية والأدبية  يجد أن اكثر من نصف ما يكتب وينشر مرتبط بشكل خاص بالماضي، وأحيان بماض مشكوك حتى بوجوده أو حدوثه.

وثمة فرق كبير بين البحث عن الحقيقة (ثم من قال أن هذه الحقيقة هي حقيقية؟) بين طيات الأزمنة والكتب والحُقب التاريخية وبين التسلية وملء الفراغ واظهار "جدارة" علمية أو أدبية من نوع ما، قد تثير فضول القاريء أو المتلقي.

يفترض أن يكون الماضي قد أخذ حقه بما فيه الكفاية من البحث والدراسة والنقاش. وليتنا نفسح المجال للحاضر ليثبت حضوره. ويكون جسرا (من حديد)  للمستقبل. وعند ذاك فقط سنتمكن من العثور على موقعنا الخاص بنا، والذي هو حقنا المشروع، ونقطة وجودنا المضيئة على خارطة الأمم والشعوب...