
هل يستطيع النظام السياسي العراقي إصلاح نفسه؟
يونس متي
ليست المشكلة في العراق غياب مشاريع الإصلاح، فمنذ عام 2003 رفعت الحكومات المتعاقبة شعارات الإصلاح الإداري، ومحاربة الفساد، وتعزيز كفاءة الدولة وتحسين الخدمات. ومع ذلك ظل السؤال قائماً: لماذا لم تُحدث هذه الإصلاحات تغييراً حقيقياً؟ وهل تكمن المشكلة في ضعف الإرادة السياسية أم في طبيعة النظام السياسي نفسه؟
تكمن الإجابة في التمييز بين الإصلاح والتغيير. فالإصلاح يهدف إلى تحسين أداء الدولة ومؤسساتها من دون المساس بأسس النظام السياسي، بينما يعني التغيير مراجعة قواعد إنتاج السلطة وتوزيع النفوذ والعلاقة بين الأحزاب والدولة. فالدولة هي مؤسسات الإدارة والقضاء والأمن والاقتصاد، أما النظام السياسي فهو القواعد التي تنظم الوصول إلى السلطة وممارستها. ومن هنا قد تتحسن كفاءة مؤسسات الدولة، فيما تبقى البيئة السياسية التي تعمل فيها على حالها.
ومن هذا المنطلق يمكن فهم برنامج رئيس مجلس الوزراء، الذي ركز على إصلاح الإدارة، ومكافحة الفساد، ومراجعة العقود الحكومية، وتعزيز سلطة الدولة. وتمثل هذه الإجراءات، إذا نُفذت بجدية، خطوات مهمة لتحسين أداء الدولة واستعادة جانب من ثقة المواطنين، لكنها لا تشكل، بحد ذاتها، مشروعاً لإصلاح النظام السياسي الذي تشكل بعد عام 2003، ولا تتناول بصورة مباشرة قواعد المحاصصة أو العلاقة بين الأحزاب والدولة.
وإذا كان الفساد مجرد نتيجة لضعف الإدارة، فإن الإصلاح الإداري قد يكون كافياً للحد منه. أما إذا كان نتاجاً لبنية سياسية واقتصادية واجتماعية، فإن تحسين الإدارة وحده سيظل محدود الأثر، لأن البيئة التي أنتجته ستواصل إعادة إنتاجه. وفي العراق تتجسد هذه البيئة في تداخل المحاصصة، والدولة الريعية، وشبكات الزبائنية السياسية، التي حولت الفساد من ممارسات فردية إلى آلية لتوزيع النفوذ والموارد.
وقد أعادت حملة الاعتقالات الأخيرة بحق عدد من المتهمين بالفساد هذا النقاش إلى الواجهة، ولا سيما بعد إعلان القوى السياسية المتنفذة دعمها للحملة. ويطرح ذلك سؤالاً مشروعاً: إذا كانت هذه القوى هي التي أدارت الدولة، وتقاسمت السلطة والنفوذ طوال أكثر من عقدين، فمن هم الفاسدون الذين يُعلن اليوم عن ملاحقتهم؟ وهل نشأ الفساد خارج المنظومة السياسية، أم كان أحد إفرازاتها؟ إن أهمية هذا السؤال لا تكمن في التقليل من قيمة محاسبة الفاسدين، بل في التأكيد أن الفساد ليس مجرد انحراف فردي، بل نتاج منظومة سياسية ومؤسسية سمحت له بالنمو والاستمرار. ولذلك فإن محاسبة المتورطين ضرورة، لكنها لا تغني عن مراجعة القواعد التي أنتجت الفساد.
ولا يعني ذلك أن الإصلاح من داخل النظام مستحيل؛ فقد شهدت دول عديدة إصلاحات فرضتها الأزمات أو الضغوط الشعبية، إلا أن نجاحها كان مرهوناً بقدرتها على مراجعة قواعد النظام نفسه، لا الاكتفاء بتحسين أدائه.
لذلك لا يقاس نجاح أي مشروع حكومي بعدد ملفات الفساد التي تُفتح أو الأموال التي تُسترد، بل بقدرته على الانتقال من معالجة النتائج إلى معالجة الأسباب، ومن إصلاح الإدارة إلى إصلاح البيئة السياسية التي تنتج الأزمات.
ويبقى السؤال الذي سيحدد مستقبل العراق: هل يمتلك النظام السياسي القدرة والإرادة لإصلاح الأسس التي قام عليها، أم أن الإصلاح سيظل مقتصراً على تحسين أداء منظومة تستمر في إعادة إنتاج أزماتها؟
