
الاشوريون في التاريخ- الحلقة 31
اشوربانبال – والعيلاميون
يعكوب ابونا
كان اشوربانيبال في بداية عهده، يحاول توطيد العلاقات وتثبيت الاسقرار في المنطقة بالطرق السلمية والالتجاء الى العلاقات الدبلوماسية مع الاخرين وخاصة مع عيلام..
كانت العلاقات مع عيلام ودية ومتينة، يتحدث عنها اشوربانيبال شخصيا وعن الاجراءات التي اتخذها لمساعدة ملك العيلاميين بتقديم العون له عندما عانت عيلام من العوز والفاقه اثناء محنتها، يقول "عندما كانت هناك فاقة في عيلام واستبدت قلة الاغذية. ارسلت اليه حبوبا لكي يبقى شعبة على قيد الحياة وشددت عضدة كما اعدت اليه الناس الذين هربوا قبل المجاعة ووجدوا ماواهم في بلاد اشور الى ان عادت الامطار الى ارضة ونما الحصاد فتمكنوا من انقاذ حياتهم في بلادي." ..
رغم هذا الموقف النبيل لاشوربانيبال والمساعدة السخية التي قدمها لملك عيلام (اورتاكي) الا ان هذا الملك استجابا لاعداء اشوربانيبال من زعماء بعض القبائل في بلاد بابل. واعوانهم الغمبوليين، مستغلين انشغال الاشوريين في الحروب مع مصر فشنوا هجوما على بابل في عام665 ق.م . مما اضطر معه اشوربانيبال الى ارسال جيش الى الجنوب ليصد الملك العيلامي (اورتاكي). واتباعة ومحرضوه، لان الدفاع عن بابل كان من مسؤولية الملك اشوربانيبال. فهزم اورتاكو الملك العيلامي واتباعه، فوقع الملك العيلامي ميتاً مفاجئا وغير متوقع".. ساغس جبروت اشور ص 166 "
فما كان من ابن عمه (تومان) الا ان يستولى على العرش العيلامي، ولتوطيد حكمه قام بقتل ابناء الملكين السابقيين. مما جعل الامراء الخمسة بالاضافة الى بعض النبلاد وابناء واعضاء اخرين من العائلة المالكة، ان يهربوا ويلتجوا الى حماية اشوربانيبال الذي منحهم حق اللجوء والحماية، فرغم مطالبة "تومان" بتسليمهم الا ان اشوربانيبال رفض ذلك، .
وهذا يثبت بان الفكر السياسي الاشوري كان قد توصل الى حد فهم اهمية العلاقات، التي تضمن حقوق الانسان وتامين حقه في العيش بكرامة. وهذا ما يسمى في عصرنا حقوق الانسان مصونه وفق القانون الدولي الانساني والبروتوكولات والاتفاقيات الخاصة التي تتضمن حقوق اللاجئين السياسيين.
كان هذا سبباً وجيهاً لرفض طلب "تومان" بتسليم هولاء اللاجئيين. واصرار تومان الى المطالبة بهم، ففي صيف من عام 653 قبل الميلاد كان اشوربانيبال في مدينة "أربيل" تلقى انباء عن قيام تومان بتعبئة الجيش العيلامي. والمعروف بان هذه التعبئه ليست الا لمجابهة ومحاربة الاشوريين، وفعلا كان الامر كذلك، لابل ان الملك تومان سعى لجلب وكسب الاقوام الاخرى الى جانبة لهذه المنازل، فعمل جاهداً على كسب الاراميين والكلديين المقيميين على سواحل نهر دجلة بين عيلام وكلدو، الا ان طلبه وسعيه لم يجاب اليه سوى ملك دونانو ملك كامبولا، فحشد تيومان جيشه وعساكره على الساحل (اوقنو) نهر كرخه الحالي. الا انه وقبل ان يعبر الحدود ارسل اثنين من قواده وهم (حومبدرا- العيلامي) و (نبوماديق– الكلدي) الى اشور يطلبان اخراج اولاد اورتاقو من نينوى، وكان اشوربانيبال لازال في اربيل يعيد عيد الاله (عشتار) فرفض الطلب. (ادي شير ص 126 ).
فما كان من الملك اشوربانيبال الا ان يتقدم الى الهة الحرب (عشتار اربيل) ليطلب منها وحي البركة في حربة. فتقدم بجيشة نحو عيلام خلال مقاطعة (د ر) فتراجع تومان هارباً الى عاصمتة (سوسا) محاولا الفرار، الا ان حظه العاثر كان سيئاً، ولنستمع الى اشوربانيبال يصف ما حدث لتومان ملك عيلام. (ان تومان ملك عيلام..... فر لكي ينقذ حياته واختبآ قي غابة فانكسر عمود العربة، عربتة الملكية، وسقط علية، وقال تومان يائساً لابنه "ارفع القوس" (احد اجزاء العربة المكسورة والتي سقطة على الملك وحبسته عن الحركة) حاول ابن تومان ان يساعده على الافلات، الا انه لم يستطيع انقاذه، فانحبس وضربت عنقه. جلب راس تومان الى اشوربانيبال، فاقام مادبة غذاء مع زوجته احتفالا بالنصر..
وقد خلد هذا الانتصار باللوحه مجسمة تبين بشكل (بارز راس تومان الذي يتدلى معلقاً على شجرة.). وفي احدى رسائل اشوربانيبال يتحدث عن تفاصيل المعركة التي جرت مع تومان في سوسا والنصر الذي تحقق، يقول "لقد استوليت على ارض عيلام من اقصاها الى اقصاها، فأصبحت وكانه عاصفة قد هبت عليها، قطعت راس ملكها تومان الذي دبر مكيده شريرة وذبحت من محاربيه عددا لا يحصى، وقضيت بيدي على رجاله المقاتلين، وجثثهم ملات اطراف مدينة سوسة كما تملا الارض بالاشواك وجعلت دمائهم تسيل في نهر ايولاوس وصبغت به مياهه كما يصبغ الصوف".. ايشو مالك الاشوريون في التاريخ ص23 "
كان العيلاميين يكرهون الملك (تومان) وعائلته بشكل لايوصف لدرجة، عندما وصل خبر مقتله الى اهالي شوشان (سوسا) قام الامراء المناوئين لتومان وعائلته بالقاء القبض على اولاده وسلموهم للاشوريين، لابل ان الشعب في سوسا، خرج عن بكرة ابيه رجالا ونساء وارتدوا ثياب العيد وخرجوا لاستقبال الاشوريين، وكان يتقدمهم الكهنة والمغنون وهم يدقون بالات الطرب ويرتلون تراتيل الفرح، فدخلها الجيش الاشوريين منتصرا وظافراً.
اقام الاشوريون ملكا على عيلام وهو الملك (هومبانيكاش) بن اورتاقو، وكان قد حارب الى جانبهم، وفي طريقهم على (كامبولا) فدخلوها وادخلوها في طاعتهم بعد ان اخذ ملكها (دونانو) اسيرا الى اشور وقتل هناك. "ادي شير المصدر السابق"
كانت المنافسة بين الطامعين بالحكم في عيلام شئ اعتيادي ومعروف عنهم، بدليل ان اشوربانيبال قد تتدخل عدة مرات وقدم المساعدة لهذا الطرف او ذاك، والملفت في عيلام بان نظام انتقال الملك كان عبر الامهات، اي ان شقيقة الملك كانت لها الافضلية في العرش من اولاد الملك نفسه، فكانوا الاشوريين ينظرون الى هذا الوضع بانه ليس الا اختصاب حق الوريث الشرعي بالملك وهو ابن الملك. وان ذلك يخالف ما كان متبعاً في اشور لان وراثة العرش في اشور كانت تنتقل الى الابناء.
رغم تدخلات اشوربانيبال في عيلام الا ان هذه التدخلات لم تستطيع ان تحد من الفوضى في عيلام من جهة، او ان تخلق جواً من الاستقرار السياسي او الاقتصادي.
لان الوضع الفوضوي والانشقاقي الذي كانت تعانيه عيلام في الداخل، وما كانت تواجهه من الضغوطات التي كانت تمارس عليها من شعب جديد ظهر في الشمال يحاول ايجاد موضع له للسكن، فكان هذا الشعب هو الشعب الفارسي.
رغم وضع العيلاميين الا انهم لم يتوقفوا من تهديد بلاد اشور وبالذات تهديدات بلاد بابل. وعرقلة التجارة في المناطق الشرقية خاصة، ليس ذلك فقط بل لما كان يقدمه العيلامين للمتمرديين والقبائل التي سميت الكلديه، فكانت عيلام مرتعاً خصباً لهؤلاء الكلدين المشاغبين والمناويين للحكم الاشوري، لابل الاكثر من ذلك انهم كانوا يتعاونون مع الغير من خارج البلاد ضد الدولة الاشورية، والقيام باعمال تخريبية وتامرية، وصلت في الكثير من الاحيان الى محاولات الاستيلاء على الحكم في بابل التي كانت بالنسبة للاشوريين العاصمة الثانية، وجوهرة المملكة الاشورية لما كان لها من قدسيه لديهم،
لم يتوقفوا عن محاولاتهم بالعمل ضد الاشوريين ثائريين ومجاهدين لاخذ استقلالهم عن الدولة الاشورية، الا ان عملهم هذا وجهودهم في سبيل ذلك كانت تباء بالفشل.
ومع ذلك استمروا بتامرهم وتعاونهم مع اعداء الاشوريين فصاروا معا ًفي خندق واحد..
استمر الملك العيلامي بتقديم العون والمساعدة التي كانت تصل احيانا الى المساعدة العسكرية للكلديين، لا بل قد اجار وحما بعض الامراء ومنهم (نبو- بيل- شوم) ملك قبيلة بيت ياقين. الذي التجى الى عيلام بعد هروبه من بابل.
امام هذه الخيانة كان لابد للاشوريين ان يضعوا حدا لتصرفات العلاميين وتهديداتهم وتدخلاتهم في الشؤون الدولة الاشورية، فاتخذ اشوربانيبال موقفاً حازماً ضدهم، بعد ان رفض ملك عيلام تسليم هولاء المتامرين والهاربين اليه. فحذر اشوربانيبال ملك عيلام من مغبة تصرفاته واعماله ضد الدولة الاشورية فجاء تحذيره على شكل رسالة موجه الى ملك عيلام جاء فيها:
((ان لم تسلم الي هؤلاء الرجال الذين اجرتهم فاني اذهب اليك واخرب المدن وااسر اهل شوشان ومادكتو وحيدلو.. وانزلك من عرشك وانصب اخر مكانك، ومثلما سحقت قبلا تيومان كذلك اسحقك انت ايضا .)) . .
يتبع الحلقة القادمة ... بعون الله .
يعكوب ابونا .................. 3 /7/2026
