للذهاب الى صفحة الكاتب   

الزيدي والاشتراكية المرفوضة...

موسى فرج

 

 

في معرض اجابته عن سؤال لموفد صحيفة الشرق الأوسط فيما اذا كان قراره بمكافحة الفساد قرار نهائي؟

قال السيد الزيدي: نعم هو قرار لا عودة فيه، وهو ليس خياراً. فقد أصبح الفساد اليوم يهدد وجود الدولة العراقية. وأتبع قوله بقسم لو تعلمون عظيم عندما قال: "أنظر إلى الموت على أنه لقاء مع الله سبحانه وهو أرخص شيء نقدمه للعراق"، نعم، لا مكان للفساد، ولا مكان للسلاح خارج الدولة.

وبهذه المناسبة أشير الى ثلاث عبارات كنت قد قلتها وفي مناسبات مختلفة تتفق تماماً مع ما قاله السيد الزيدي:

الأولى: في مقابلة مع جريدة الصباح في أواخر عام 2004 قلت: الفساد والارهاب وجهان لعملة واحدة.

الثانية: في ردي على السيد هادي العامري في مبنى مجلس النواب العراقي في أواخر عام 2005 قلت: اذا استمر الفساد فإنه يقوض كيان العراق!.

الثالثة: في لقاء مع قناة البغدادية الفضائية في عام 2010 قلت مخاطباً ساسة المحاصصة والتبعية: ألا يستحق هذا الشعب منكم عميلا...؟!

فإذن في معظم الأمور أنا متفق مع السيد الزيدي ولكن في قضية واحدة لا أتفق معه فيها وهي قوله في حديثه لرئيس تحرير جريدة الشرق الأوسط : "لدينا قرارات قديمة تعود إلى زمن مجلس قيادة الثورة المنحل وُضعت بعقلية اشتراكية لم تعد فاعلة." بعد ان قال مطالبا كوادر وزارة المالية: عوفوا العقلية الاشتراكية...

 

واعتراضي على ذلك مرده الى الآتي:

1. حقبة صدام ومجلس قيادة الثورة المنحل وقراراتهما لم تكن اشتراكية، بل تسمى في أدب الاقتصاد السياسي بـ: رأسمالية الدولة. وتعني استيلاء الدولة على كل شيء واستيلاء صدام على الدولة، فصحيح أن صدام جعل الدولة تستولي على كل شيء واسس شركات حكومية لكل شيء... الشركة العامة للأسماك، والشركة العامة للماعز، والشركة العامة للدجاج، والشركة العامة للبرغل، لكن ذلك لا يمثل جوهر مبدأ الملكية العامة لوسائل الانتاج التي تقوم عليها الاشتراكية لأن رأسمالية الدولة لاحقا تحولت الى رأسمالية صدام وعشيرته وأقاربه عندما ترجمت لاحقا الى مبدأ: "اذا قال صدام قال العراق."، والتي تتطابق تماماً مع مقولة لويس التاسع عشر: "فرنسا أنا..." والتي بسببها عوقب بالمقصلة.

 

2. ثم ان لب الاشتراكية يقوم على توظيف مبدأ الملكية العامة لوسائل الانتاج لقضية سد احتياجات المواطنين التي تقوم عليها فكرة العدالة الاجتماعية، في حين أن صدام وظفها في نزواته وحروبه والمتبقي على أقاربه وأفراد عائلته.

 

3. وبدلاً من أن يركن صدام الى نظرية ماركس أو ماوتسي تونغ اتخذ من خاله خير الله طلفاح الذي كان البغادة يسمونه "حرامي بغداد" إله الشمس الذي يستمد منه الشرائع.

 

 4. وفي حينه سؤل المرحوم عصام ملا حويش محافظ البنك المركزي واستاذ الاقتصاد المعروف عن طبيعة الاقتصاد العراقي فقال: "لو تجيبون آدم سمث ما يكَدر يحدد ماهية الاقتصاد العراقي!". والمفارقة انه في حقبة ما بعد 2003 وصولاً لليوم فقد درج العراقيون على القول: لو سألت سمث وريكاردوا وماركس لما شخصوا ماهية الاقتصاد العراقي الحالي!، وقلت عنه: انه اقتصاد الفوضى والفساد.

فإذن لم يكن العراق قد حظي بتجربة اشتراكية في تاريخه ليتخلى عنها السيد الزيدي، لكن ما شهده العراق قرارات وممارسات لتحقيق العدالة الاجتماعية في حقبة عبد الكريم قاسم وهي ممارسات تقترب من تطبيقات الاشتراكية.

 

5. لماذا تتمسك الأوساط الشعبية بالاشتراكية...؟

لأنها ببساطة ترتبط في مخيالهم الشعبي بفكرة العدالة الاجتماعية لحقبة عبد الكريم قاسم التي اتسمت بالسعي لرفع المعاناة عن الفقراء والإصلاح الزراعي وتأميم النفط .

هذا من جهه ومن جهة أخرى يقال والعهدة على ساسة المحاصصة ومنظريهم ان الأيديولوجية المعتمدة في الحكم من قبلهم الآن هي مبادئ الاسلام وثوابت الدين الحنيف فتعالوا معي لنقف على مدى اقتراب فكرة الاشتراكية من تلك الثوابت:

1. ألم يقل تعالى في محكم كتابه: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ ماذا يعني ذلك من وجهة نظر السيد الزيدي؟.

2. وفي الجانب التطبيقي أليس عمر بن الخطاب هو أول من أصدر قرار تأميم عندما استولى على بئر الماء الذي يعود لليهودي وجعله للنفع العام وبدون عوض نقدي...؟

3. اما ابو ذر الغفاري فقد صرخ ثائرا: "عجبتُ لمن لا يجدُ القوت في بيتهِ كيف لا يخرجُ على الناس شاهراً سيفه"، وليته بيننا اليوم ليرى كيف يعبث السراق بتريليونات الشعب العراقي، فماذا عساه أن يقول...؟

4. وهذا علي القائل: ما جاع فقيرٌ إلا بما مُتّع به غني!!! أفبعد هذا القول قول...؟

حتى أم كلثوم... فهي عندما مدحت الرسول (ص) قالت: الاشتراكيون أنت إمامُهُم!!!

فبدلاً من ان تتسور سياج الاشتراكية لأنه أنصيص... دونك الفاسدين والسراق والمحاصصه يا أخي وستجدنا درعا حصيناً يحميك من مسيراتهم وقاذفاتهم أيها العزيز.

 

وسأذكر لك أمراً : قبل 60 سنة عندما يريد الحاكم ان يتقرب من شعبه والمجتمع الدولي الفاعل يقول: انا اشتراكي وإن لم يكن لأن الاشتراكية وقت ذلك تشكل جواز سفر أخلاقي وقيمي، وقبل 40 سنة كان الذي يريد التقرب من شعبه يقول أنا متدين، ومنذ 20 سنة فإن الذي يريد التقرب من شعبه يقول أنا نزيه ووطني ومحارب للفساد لنتمسك بهذا الآن ولا يوهمونا بأن الذي يريد التقرب من شعبه اليوم يقول: أنا صديق ترامب...

 

 أما عن ساسة المحاصصة أساطين الفساد الذين يبرقون اليوم لك برقيات التأييد لحملة مكافحة الفساد فقل لهم ما قاله بيكاسو يوم دخل الحاكم العسكري الألماني لفرنسا أبان احتلال جيوش النازي لها معرضا للرسم وبحلق طويلاً في لوحة الجورنيكا ليسأل الرسام الذي وقف بجانب اللوحة قائلاً: من فعل هذا...؟ يقصد من رسمها؟ فرد عليه بيكاسو بعنف: أنتم!، الفضائح التي اسفرت عنها الحملة ضد الفاسدين خلال الأسبوع الحالي رد على برقيات تأييدهم بقولك: أنتم من فعلها!! ولا تخشى في الحق لومة لائم إن كنت تريد المجد حقا.