للذهاب الى صفحة الكاتب   

من رحم النضال/ 21

د. مزاحم مبارك مال الله

 

سيد نور.. اسمه على إشراقة وجهه..

• سيد، كم عايشتَ الخالد فهد؟

     فترة ليست قصيرة، رغم أن المدة الزمنية بأكملها لم تكن طويلة؛ فبعد انعقاد المؤتمر الأول انضرب الحزب، وأُلقي القبض على فهد، ومن ثم تم إعدامه.. كان صوت سيد نور كأنه يأتي من أعماق التاريخ، يحمل كل المهمة الوطنية العظيمة التي تأسس من أجلها الحزب الشيوعي.

• وأنتَ، سيد؟

     تمت مطاردتي، وتشتت التنظيم، ولم تعد لي صلة تنظيمية، لكني بقيت وما زلت مؤمنًا بالفكر الشيوعي وبالحزب، وأتابع الأخبار. أجواؤنا النضالية كانت أنضج مما نعيشه اليوم.. البرجوازية حسّنت من أدائها بين الناس، وبنفس الوقت حسّنت عداءها للشيوعية، بل وتفننت فيه.

• ممكن أن تتحدث لنا عن فهد؟

     أشك أن قائدًا فذًا يأتي مثل فهد.. متواضع، بسيط، طيب المعشر، ذكي جدًا، ناقد بارع، ومعلم متفنن.. مثقف بلا حدود.. ويخيل إليّ حينها أن هذا الرجل كان لا يعرف طعم النوم؛ لا يشرب ولا يدخن.. لكنه كان يحب الشاي كثيرًا.

شعرتُ بحسرة الألم الملازمة لحديث سيد نور وهو يتحدث عن فهد.

وقبل أن نستأذن بالمغادرة، قال سيد نور:

     أنتم شباب متحمسون.. عليكم التسلح بالمعرفة، وعليكم أن تمتلكوا مفاتيح أسرار التعامل مع الشعب.. موفقين.

بعد يوم أو يومين، لا أتذكر بالضبط، وأثناء الدوام، أخبرني جودت أن الموافقة حصلت بشأن طلب (ث)، وسيعملان، هو و(هـ)، كركيزة للاتحاد في دوامهم.

====================

بعد استدعاء الإدارة لي، والتحقيق السخيف الذي أجروه معي، وقبلها الإجراءات التي نفذتها مجموعتنا، نما عندي شعور غريب.. (شعرت بأني مسؤول هذه المجموعة، وأن مصيرهم مرتبط بي.. والشعور الآخر هو أنني بدأت أخوض تجارب مهمة قياسًا لعمري وخبرتي المتواضعة المحدودة)، لكنني قلت وأشرت إلى أن من صفاتي غير المحمودة هي الاندفاع وعدم المبالاة بالنتائج.

بدأت أكتسب خبرة المناورة مع الأعداء؛ فأنا لا أنسى صفعة رجل الأمن النذل، التي زادتني إصرارًا على مواصلة العمل، وقد انعكس ذلك حتى في تصرفاتي داخل البيت؛ فقد تركت اللعب بكرة القدم (الطوبة) مع أصدقاء المحلة، خصوصًا أنني كنت معروفًا بينهم حارس مرمى (كولجي) متميزًا، واتجهت إلى مكتبة شقيقي الأكبر لأغترف منها الثقافة والمعرفة.

كنت في غاية السعادة حينما التقت عيناي بعيني جودت في ساحة المدرسة، وهو يبتسم لي، ربما تعبيرًا عن شعوره بالارتياح لموقفي في الإدارة.

بعد مدة وجيزة جدًا، حان موعد لقائي مع الزميل (ح. و) قرب تانكي الماء المجاور للمدرسة بعد نهاية الدوام.

كنت حريصًا على لقاء (هـ) و(ع) و(س) لأستمع إليهم، فمن المؤكد أن الزميل (ح) سيسألني عنهم.

في موعد اللقاء رأيت، وعن بُعد، (ح) يتمشى مع جودت.. اقتربت منهما، وبعد السلام شعرت بحرارة مصافحة الزميل (ح) لي، قائلًا:

"زميل مزاحم، عملكم فوق الممتاز، وزملاؤكم في لجنة الكرخ يحيونكم، وهم فخورون بما قمتم به.. رائع جدًا، ولكن الحذر الحذر.. لا تندفعوا زيادة، ولا تدخلوا في مناقشات مع من تشكوّن به.. والآن أبلغك أن الزميل جودت سيحل محلي في الاتصال بك وبالزملاء الآخرين، وأحب أن أخبرك أن العمل الذي قمتم به قد قامت به كل مدارسنا المتوسطة والإعدادية، حيث أحدث ضجة اهتزت لها أركان الاتحاد الوطني الخائن."

(الخائن)؟!

هذه العبارة سمعتها من محمد سابقًا، فسألت (ح): لماذا نطلق عليه خائنًا؟

     طبعًا، خائن لمصالح الجماهير الطلابية، كعميل للحكومة.

استأذن (ح. و)، وتركني مع جودت لنستمر بالمشي في أزقة المنطقة.

     عيني، زميل مزاحم.. هكذا بدأ جودت كلامه معي، وهو أول حديث تنظيمي بشكله الجديد معي.. أولًا أحب أن أحييك على موقفك الشجاع في الإدارة.. أنت دوّختهم، يمعود، وثانيًا لازم نسوي اجتماع، أنا وأنت وباقي الزملاء.. عددنا لا يزال قليلًا، وأنت لاحظت الصعوبات التي لاقيناها في الاستنساخ والتوزيع.. لذلك فشعارنا، من الآن فصاعدًا، هو: (لكل زميل صديق).

     اتفقنا على موعد الاجتماع القادم.

(يتبع)