للذهاب الى صفحة الكاتب   

عشرون عاما من الفساد والشعب العراقي نايم ورجليه بالشمس!

محمد حمد

 

 

يقع بعض اللوم على عاتق شعب لا يبالي ولا يعنيه أمر السياسة الا بما يمنحه الحرية للتنفيس عن همومه ومشاكله عبر طرق غير سياسية. منحوه حرية التعبير لكنه استغلها للطقوس والشعائر الدينية وأحياء "تراث" بعضه غير واثقين من صدقه أو مصدره. بينما يقوم حكامه غير الاشاوس، بشفط المال العام في وضح النهار. وكانّ العراقيين وجدوا في (النهي عن المنكر)  منكرا آخر!

 

والنتيجة تمادى السياسيون وتفننوا في السرقات وابدعوا ايما ابداع في خلق ظروف مناسبة لا تثير الشبهات ولا تحيطها الشكوك. فتكدست لديهم أموال وعقارات وسبائك ذهب ومجوهرات تكفي لبناء عشرات المستشفيات والمدارس والطرق الحديثة. بل تعادل ميزانية عدة دول. فبقي العراق، رغم ثرواته الهائلة والمنهوب نصفها، يعاني من شحة الكهرباء ونقص المياه الصالحة للشرب  والافتقار إلى وسائل حديثة لاستغلال وتطوير ثرواته النفطية والغازية على أكمل وجه.

 

صدقوني، أن الذنب ليس ذنب من سرق أو من استغل نفوذه ومنصبه فقط بل أن الذنب هو ذنب "الشعب" ايضا. ومع الأسف أن زمن (إذا الشعب يوما اراد الحياة - فلا بد أن يستجيب القدر) مضى بلا عودة. فالعراقيون اليوم يخرجون بالملايين، نعم بالملايين، في عاشوراء وركضة "طويريج" والاربعينية ومختلف انواع المناسبات الدينية وغير الدينية. وكلها بطبيعة الحال طقوس لا يمكن التقليل من شأنها أو التقليل من أهميتها الدينية والتاريخية والاجتماعية. لكننا في الوقت نفسه عاجزون عن الخروج بمئة الف شخص (وليس مليون) لاقتحام المنطقة الخضراء وتحطيم أركان هذا النظام الفاسد والفاشل والمفروض من الخارج. لقد تمرّدت الكثير من الشعوب في دول مختلفة على حكامها وسارقي قوت يومها. وبعضها دول تعتبر أكثر فقرا وتخلفا من العراق. فنحن على ما يبدو نطبق شعار "اللي ياخذ امي يصير عمي". وسرعان ما تنطلي علينا حيل والاعيب السياسيين. فننساق خلفهم كالخرفان. تصفق وترقص ونوّهس (علي وياك.. علي) دون أن نميز بين الصالح والطالح منهم.

 

إن الاجراءات التي اتخذتها الحكومة العراقية في صولة "فجر الخضراء" لمكافحة الفساد غير كافية. وعلى الحكومة والقضاء العراقي منع سفر جميع رؤساء الكتل والأحزاب الموجودة في العراق. ومراقبة تحركاتهم بسرية  تامة. وعدم نشر أية معلومات الا بعد الانتهاء من التحقيقات وتنفيذ الأوامر الصادرة من القضاء.

 

إن أصحاب المال الحرام والدكاكين السياسية المعممين والأفندية على حد سواء، يملكون اموالا طائلا وبإمكانهم شراء أصحاب الضمائر الميتة والنفوس الضعيفة من أجل تسهيل عملية هروبهم إلى الخارج أو اختفاءهم عن الأنظار. وقد مرّ العراق في السنوات القلائل الماضية بتجارب مماثلة. هروب منظم ومنسق مع أشخاص متنفذين في الداخل. ولهذا  غالبا ما يكون المتهم قد غادر العراق قبل نصف يوم من وصول السلطات الأمنية إليه.

 

وانا على قناعة بأن السلطات العراقية، لأن الأمر هذه المرة في غاية الخطورة، قد اتخذت جميع الإجراءات الكفيلة للسيطرة التامة على أي تحرك غير طبيعي او مشبوه. ثم هناك "اصوات" تتحدث علنا عن احتمال اغتيال رئيس الوزراء علي الزيدي من قبل رؤوس الفساد الكبيرة. وهو احتمال وارد جدا. ولا ننسى هنا أن الأغتيالات في العراق، خصوصا في عهده (الديمقراطي) الراهن، اصبحت أمرا مالوفا.

 

وعلى العموم، وحتى حصول تغيير جذري  ملموس في بنية النظام العراقي الحالي يمكن القول إن العراق كدولة فقد الكثير من الشرعية والكثير جدا من  ماء الوجه. وقبل سنوات قليلة كنا مثلا ونموذجا للفشل السياسي وتجاوز التوقيتات الدستورية في تشكيل الرئاسات الثلاثة والحكومة. أما اليوم فقد اصبحنا، وبلا منازع في اي مكان، المثال الاكثر وضوحا في الفساد المالي والإداري واستغلال السلطة. واظن أن مهرج اوكرانيا زيلينسكي يشعر بارتياح شديد لأن بلاده لم تعد تحتل المركز الاول في الفساد. لقد سرق العراق منه هذا "الامتياز" على الساحة الدولية...