للذهاب الى صفحة الكاتب   

من رحم النضال/ 24

د. مزاحم مبارك مال الله

 

 

خرجتُ من المستشفى، ولكن بعد أيامٍ قلائل تدهورت حالتي الصحية، مما اضطرّ أهلي إلى مراجعتي لدى عددٍ من الأطباء. فقد عانيتُ من ارتفاعٍ شديدٍ في درجة الحرارة، تصاحبه إغماءات مع آلامٍ في البطن... إلخ. ومرةً أخرى زارني أصدقائي وزملائي في الاتحاد.

بعد شهرٍ بدأتُ أتحسّن وأستعيد عافيتي، وأذكر أن مدير المدرسة (وهو ليس نفس المدير الذي حقّق معي بخصوص المنشورات، فقد نُقِل ليكون مديرًا لمدرسة إعدادية الأمين التي تم استحداثها في بناية متوسطة المعتصم نفسها) كتب رسالةً إلى والدي، بصفته مدير مدرستي – متوسطة المعتصم – يحثّه فيها على ضرورة عودتي إلى مقعد الدراسة، كوني من المتفوقين.

عدتُ إلى المدرسة، وبدأتُ أستعد لأداء الامتحانات الفائتة والمتراكمة.

كان ما يشغلني هو موضوع الاتحاد، ونحن نقترب من نهاية السنة التي سنواجه فيها امتحان البكالوريا للثالث المتوسط.

أديتُ الامتحانات العامة، وكان معدلي 80%، وهو من المعدلات الجيدة. وبعد أيامٍ اتصل بي جودت وطلبني لأمرٍ هام:

     حبيبي مزاحم، أولًا وقبل كل شيء، كل التهاني على النجاح وبالتوفيق. وثانيًا، أنت تعرف أن هناك إعدادية في الحارثية اسمها إعدادية المنصور، وقد نجحنا في إرساء ركيزة فيها، وأرسلنا زميلًا إليها. والاتحاد بحاجةٍ إليك لمساعدة هذا الزميل لتؤسّسوا مع زميلٍ آخر (دون أن يعلمني من هو) اتحادًا هناك. علمًا أنه من أقاربك، وهو زميل ممتاز، وستنسجمون وتكوّنون منظمة قوية، خصوصًا وأن الزميل (هـ) سيسجّل فيها. أقنع أهلك أن تسجّل في هذه المدرسة، ولا تسجّل في إعدادية الأمين.

تمكّنتُ من إقناع أهلي بأن أسجّل في إعدادية المنصور، على أمل تنفيذ المهمة التي كلّفني بها الاتحاد.

في بداية العام الدراسي الجديد، وأنا في الصف الرابع الإعدادي، عرفتُ أن (هـ) معي في الإعدادية نفسها، إذ إن أخاه (المرحوم) الأستاذ محمد، مدرس الرياضيات فيها، كان من الشيوعيين المناضلين.

لم تمضِ إلا أيامٌ قلائل حتى جاء إليّ طالبٌ قصير القامة، كثيف الشعر، يضع نظاراتٍ سميكة العدسات على عينيه، قائلًا:

"أنا (ن.ع)، في الصف الخامس، من طرف جودت. أنت مزاحم؟"

     قلت: نعم، أهلًا وسهلًا.

• وصل ترحيلك، وسنلتقي اليوم بعد الدوام في بيتنا في القادسية، خلف بيت الجواهري. انتظرني عند رأس الشارع حين ينتهي الدوام.

كان ركوب المواصلات ذهابًا وإيابًا يوفّر لي فرصة إيجاد عذرٍ للتأخير أمام أهلي، حينما تكون لدي مهام تتطلب التأخر في العودة.

وصلنا إلى بيتهم ودخلنا، ليبدأ الحديث...

(يتبع)