للذهاب الى صفحة الكاتب   

"إيمان حميد" ومقصلة "سلاخي السمعة" و"حاسدي النساء"!

هايل علي المذابي

اليمن

 

ليس الغرض هنا سرد سيرة ذاتية عابرة، بل تفكيك جدار صلد من الزيف والتحامل، وإضاءة زاوية معتمة من زوايا المشهد الإنساني اليمني. إنها محاولة لقراءة تجربة الناشطة الحقوقية الأستاذة "إيمان حميد"؛ تلك المرأة التي قوبل كفاحها النبيل بترسانة من التشويه، ومحاولة جادة لتحليل قصة مؤسستها الرائدة "إنصاف للتنمية والحقوق" عبر عدسة نقدية ونفسية كاشفة.

 

- تتحرك التراجيديا الإنسانية دائماً من رحم المعاناة؛ فالتاريخ يعلمنا أن أشد المدافعين عن الحرية هم أولئك الذين تذوقوا مرارة الأغلال أولاً. ولم تكن إيمان حميد بدعاً من هذه القاعدة الكونية. لقد تجرعت ظلم البيئة السياسية والاجتماعية المأزومة في صنعاء، لتهاجر بعدها نحو القاهرة مستمسكة ببارقة الأمل والتحصيل المعرفي. غير أن التغريبة لم تكن برداً وسلاماً؛ ففي عام 2018م حاصرتها مخالب الغدر من جديد، في قضية تنضح بالخسة وقذارة التناول من قِبل أفواهٍ دبلوماسية يفترض بها الوقار، لكنها آثرت السقوط في مستنقع التبجح.

 

لكن، وهنا تتجلى معجزة الكائن الإنساني المتسامي، لم تزدها طعنات الغبن والتشويه إلا إصراراً. إن الظلم المزدوج الذي تعرضت له بين صنعاء والقاهرة صار هو المحرك والمُلهم، والشرارة النورانية التي انبعثت من رماد الألم لتؤسس منظومة إنسانية أسمتها "إنصاف". إنها ذات السيرورة النفسية التي نراها عالمياً؛ حيث يتحول ضحايا الانتهاكات والتشويه الجسدي والمعنوي إلى دروع بشرية تذود عن كرامة الآخرين وحقوقهم. إن منظمة "إنصاف" لم تكن مجرد مكتب أو شعار، بل كانت صرخة احتجاج وجودية أطلقتها امرأة قررت ألا تدع الجلاد يكتب الرواية الأخيرة.

 

أما عن أحجية "ليبي"، المسجون في صنعاء وتبنت إنصاف الدفاع عنه، فمن الأمانة القول أنه حين تعجز العقول المأجورة عن مواجهة الفكر بالفكر، تلجأ فوراً إلى الترسانة التقليدية: "التخوين والعمالة". ولقد وُصمت إيمان حميد بـ "الجاسوسية"، وهي التهمة المفضلة في مجتمعاتنا للتخلص من الأصوات الحرة. ولعل المفتاح لفهم هذا الهجوم الضاري يكمن في قضية هذا السجين اليهودي اليمني "ليبي"، والتي تكشفت خيوطها لي عبر الصديق النبيل الدكتور محمد المحفلي (مستشار المؤسسة ونائبها، وهو من أنبل من يمكن أن تقابلهم في حياتك).

 

والحقيقة التي تُغيّبها ألسن السوء هي أن قضية "ليبي" لم تكن يوماً قضية تمييز ديني أو اضطهاد عرقي بسبب هويته اليهودية، بل كانت قضية جنائية بامتياز تتعلق بتهريب مخطوطة أثرية نادرة جداً من التوراة القديمة إلى إسرائيل. حوكم الرجل ومعه ثلاثة آخرون أمام المحكمة الجزائية بكل مشروعية وديمقراطية، وصدر بحقهم حكم بالسجن ثلاث سنوات. انقضت المحكومية وخرج رفقاؤه، وبقي "ليبي" وحيداً خلف القضبان؛ ليس لأن القانون يضطهده، بل لسبب سيكولوجي عجيب: "الوفاء للشركاء". لقد رفض الرجل بإصرار مطلق الإفصاح عن أسماء الضباط الذين ساعدوه في عملية التهريب، رغم أن جهاز الأمن والمخابرات فتح له باب الحرية بشرط واحد: اذكر الأسماء وامضِ بسلام، لكنه رفض رفضاً قاطعاً.

 

هنا تدخلت "إنصاف"؛ انطلاقاً من واجبها الحقوقي البحت في حماية السجين من تبعات السجن الطويل وتوفير المتابعة القانونية والإنسانية له. ولقد تأكد لنا تماماً من خلال التواصل المباشر مع عائلته أنه يعيش معززاً مكرماً في محبسه، يأكل ويشرب مما يأكله ضباط الجهاز أنفسهم. لم تكن القضية تضامناً مع "الصهيونية" كما يروج المرجفون، بل كانت التزاماً بمبدأ حقوقي مجرد لا ينظر إلى دين الضحية أو عرقها، فالتدخل هنا إنساني بحت لحماية إنسان من غياهب المجهول، وهو مشروع تماماً لأي منظمة تتبنى قضايا عديدة ولا تقف عند حدود الانتماءات الضيقة، وانطلاقا من هذا وذاك كيف أصبحت الناشطة الحقوقية الأستاذة إيمان حميد في طرفة عين جاسوسة لصنعاء أو غير صنعاء؟!.

 

أتابع شهادتي وأقول أنه ورغم انقطاع التواصل المباشر الذي لم يدم سوى دقائق معدودة بسبب القضية السابقة كوني صحفي، إلا أنني لم أتردد في المتابعة بانتظام لنشاط مؤسسة "إنصاف" عبر منصة "لينكد إن"؛ ضمن جملة ما أتابعه من مؤسسات وأنشطة، وقد وجدتها تقدم عملاً ممتازاً عبر الورش المشتركة مع الجهات الحكومية، والدورات التأهيلية التي ترتقي بالإنسان وتطوره في عدن والمنطقة العربية برمتها. إن هذه الجدية والعملية جعلت إيمان حميد شخصية مرموقة دولياً تلتقي برؤساء دول كبار كرئيس فرنسا وخولتها القضايا الإنسانية التي تتبنى الدفاع عنها بالحصول على جوائز عالمية في مجال حقوق الإنسان.

 

لكن هذه النجاحات هي ذاتها التي أشعلت نيران الحملة الشنيعة والشعواء التي تُشن ضدها من قِبل ثُلة من المأجورين والموتورين وكارهي تميز المرأة. وهنا تحضرني استعارة سينمائية وفلسفية مذهلة من الفيلم الشهير "Silence of the Lambs" (صمت الحملان).

 

في ذلك الفيلم، نجد القاتل المهووس يقوم بقتل النساء وسلخ جلودهن، ليس لدافع مادي، بل لعقدة نفسية غائرة قوامها "الحسد والشذوذ". كان يحسد النساء على طهارتهن، على جمالهن، وعلى ما حباهن الله به من تكوين فريد وعطاء، فكان يسلخ جلودهن ليصنع لنفسه فستاناً يداري به نقص عورته النفسية وضآلته.

 

هذا تماماً هو حال أولئك الكارهين الذين يهاجمون إيمان حميد. إنهم يعانون من ذات الشذوذ السيكولوجي وسلوك الحسد المقيت؛ يحسدون المرأة الناجحة التي فرضت احترامها على العالم، وبسبب عجزهم ونقصهم المحزن، يحاولون "سلخ" سمعتها بمداد من الكذب والافتراء، رغبة في إلغاء وجودها وتميزها الذي يذكرهم دائماً بضآلتهم وفشلهم.

 

إن الشهادة في حق الأستاذة إيمان حميد هي شهادة حق يمليها الضمير الإنساني؛ إنها من أنبل وأشرف من قابلت خلقاً وعملاً، وامرأة يشرّف تاريخ اليمن معرفتها والتعامل معها.

وإيمان ليست الأولى فقد رأينا ما هو أبشع من هذا في قضية الدكتورة مناهل ثابت وغيرها من نساء اليمن، التي انتهت بمنحها الجنسية السعودية تقديرا لاسهاماتها العلمية والمعرفية. ومهما بلغت حدة النصال التي يوجهها "سلاخو السمعة" من خلف شاشاتهم الحاقدة، فإن مؤسسة "إنصاف" التي تترأسها الناشطة الحقوقية الأستاذة إيمان حميد ستبقى اسماً على مسمى، وسيبقى الأثر الحقوقي راسخاً في الأرض ينفع الناس، أما زبد الحاقدين وكارهي الحياة فيذهب جفاءً.

...