
مكافحة الفساد لا تحتاج إلى تظاهرات ولا إلى مكافآت
محمد حمد
بعض الشخصيات (السياسية) التي تركب الموجة أو تقفز على عربة المنتصر كما يقولون في أوروبا. بعض هذه الشخصيات تدعو إلى دعم رئيس الحكومة والخروج في تظاهرات تأييدا لحملته ضد الفساد والفاسدين. وهنا يقفز الى ذهني سؤال: لماذا نحن العراقيون نحب التظاهر والخروج إلى الشوارع أكثر من غيرنا من الشعوب. مع العلم أن جميع التظاهرات التي قمنا بها منذ عقدين لم تحقق الهدف المطلوب منها. ولكن الحقيقة هي أن كل ما في الأمر هو أننا دائما نشعر بالحاجة إلى التنفيس عن الكبت المتراكم والتعبير اللاواعي عن الإحباط والخيبة والحرمان.
إن مكافحة الفساد كما هو متبع في كثير من دول العالم، لا تحتاج إلى تظاهرات. والحكومة والقضاء ملزمان وفق الدستور والقانون بتأدية دورهما في هذا الموضوع دون تدخل اي طرف آخر. ولا ينبغي ترك الأمر بيد بعض " الغوغاء" الذين يتصيدون في ماء السياسة العكر مدفوعين بخطب رنانة وعبارات تحريضية لغايات شخصية أو حزبية صرفة تصب في مصلحة فلان الفلاني، الذي يراقب الأحداث الجسيمة التي يمر بها البلد من خلف زجاج نافذة صومعته الخاصة.
أما تشجيع المواطنين، كما وجهت الحكومة بذلك، بالابلاغ عن الفاسدين لقاء مكاقأة مالية مجزية، فالأمر في غاية الغرابة ولا يبدو حتى منطقيا أو قابل للتنفيذ. فكيف يقوم المواطن وباي وسيلة بابلاغ الحكومة عن الفساد؟ وهل يعقل ان الحكومة، بكل ما تملك من مؤسسات أمنية واستخبارات وجيش وشرطة وهيئة نزاهة وديوان رقابة مالية وسلطة قضائية، هل يعقل انها عاجزة عن كشف من هو الفاسد بين المسؤولين والسياسيين ونواب البرلمان؟ وهل يستطيع رئيس الحكومة علي الزيدي مثلا أن يسال عمار الحكيم (كمثال طبعا) من اين لك هذا ؟ وهل المنزل الذي يسكنه ورثه عن ابيه ام هو جزء من ممتلكات الدولة في عهد النظام السابق؟ وعمار الحكيم يمثل الحلقة الأولى من سلسلة طويلة من السياسيين الذي استولوا في غفلة من الزمن على قصور وعقارات ومقرات الدولة العراقية. بعضهم يزعم أنه اشتراها. نعم اشتراها، ولكن بسعر التراب. وبعد أن أرغم من تبقى في العراق من أصحابها الشرعيين على التخلي عنها والا سيلاقون مصيرا مشؤوما.
وفي رأيي المتواضع ان تقديم مكافآت مالية للمواطنين هي طريقة خاطئة ونوع من "الرشوة" لأن المواطن النزيه المخلص لوطنه لا يحتاج إلى مكافأة عن عمل يعتبر جزءا أساسيا من مسؤوليته كمواطن ازاء المال العام ومقدرات الدولة. ثم هناك خشية من أن يختلط الحابل بالنابل والزين بالشين فتطفو على السطح مشاعر العداء والغيرة والحسد والانتقام والوشاية. وقد تطال أناسا أبرياء. فليس كل ثراء جاء من فساد وليس كل رزق ملموس نتج عن حرام. وعلى الحكومة، بدل أن تزج المواطنين في موضوع معقد كهذا، أن تركز التحقيقات والتحري والبحث في دائرة "السلطة" نفسها ابتداء من عام ٢٠٠٣ سواءا كانت تنفيذية أو تشريعية أو قضائية. فمن قال إن جميع القضاة هم (أنبياء) ولم يكن فيهم من تعاون أو تساهل أوتردد كثيرا في أداء واجبه او غضّ النظر بعد أن وصله اتصال هاتفي من "احدهم" أو رسالة على الواتس اب تحذره من ارتكاب "غلطة" تكلفه ثمنا باهضا.
يكفي الحكومة العراقية لكشف شبكات الفساد والرؤوس الكبيره التي تديرها، أن تقوم بتدقيق جميع العقود والتراخيص والتعيينات في جميع الوزارات خصوصا الوزارات التي لديها ميزانيات كبيرة. كالدفاع والداخلية والنفط والتجارة والنقل...الخ.
