
من رحم النضال/ 28
د. مزاحم مبارك مال الله
سمعتُ طرقاً على الباب الخارجي، فتوجست أن يكون الطارق من عناصر الأمن، لكن الذي دخل كان (هـ)، وقد جاء ليطمئن عليّ. دخلنا صالة الاستقبال، وقصصت له ما حصل، فطلب مني الحذر وضرورة إبلاغ الاتحاد بما جرى.
في اليوم التالي ذهبنا إلى المدرسة كالمعتاد، لكننا وجدنا الوضع غير طبيعي؛ إذ كان الطلبة والمدرسون جميعاً في الساحة، والوجوم يخيم على الأجواء، مع انفعالات حزن بادية على وجوه البعض، فيما كان البعض الآخر يذرف الدموع. وبعد برهة عرفنا أن مدير المدرسة (منذر التكريتي) قد لقي حتفه في حادث سير (حسب ما أُعلن)، وقد شاع استخدام هذه الوسيلة في تصفية كل من يُعارضهم، سواء من البعثيين أنفسهم أو من غيرهم.
لكن ما لفت انتباهي أن بعض المدرسين كانوا يندبونه، وهو ما ولّد عندي شعوراً بالاستخفاف بهم وبعقولهم آنذاك، إذ كنت أراه بعثياً مجرماً انتهى إلى المصير الذي اختاره له رفاقه.
اتصلتُ بالزميل المسؤول الجديد عن إعداديتنا، وأخبرته بما تعرضت له من مضايقات من قبل عناصر الاتحاد الوطني، فوجهني بضرورة حثّ الزملاء جميعاً على الحذر، خصوصاً أن عصابة البعث مستعدة لتكرار الأسلوب نفسه مع زملاء آخرين، ولا يمكن ضمان مواقف الجميع، فالمواقف متباينة. وكانت التوجيهات واضحة: «عليكم التراص معاً، ويجب أن يكون كل واحد على اطلاع بأخبار الآخر، والأفضل أن تسيروا مع الطلبة دوماً بعد انتهاء الدوام، وألا تتحركوا فرادى».
وجدتُ أن هذه التوجيهات قد تثير قلق بعض الزملاء، لذا نقلتها إليهم بأسلوب أخف، يميل إلى التخفيف والدعابة.
التحق أخي الأصغر بإعدادية الكندي، التي كانت قد انفصلت حديثاً عن إعدادية المنصور، واتخذت بناية قريبة من شوارع الحارثية، ليست بعيدة عن إعدادية المنصور.
كان العام الدراسي 1972 /1973، وقد عشنا فيه مرحلة فتور في عمل الاتحاد نتيجة استمرار الهجمات البعثية على القوى الوطنية والتقدمية، مما فرض علينا الاعتماد على أنفسنا في المتابعة، واستمرار التنظيم، وتقوية منظمتنا (منظمة إعدادية المنصور لاتحاد الطلبة العام).
كما علمنا أن عدداً من زملاء الاتحاد قد تم اعتقالهم، ومنهم الزميل (ح.و)، ووصلت توجيهات بضرورة الحذر الشديد والإبلاغ عن أي زميل يختفي.
اقتربت الذكرى الخامسة والعشرون لتأسيس اتحادنا المناضل في 14 نيسان 1973...
(يتبع)
