للذهاب الى صفحة الكاتب   

من رحم النضال/ 29

د. مزاحم مبارك مال الله

 

اقتربت الذكرى الـ25 لتأسيس اتحادنا في 14 نيسان.

ولما كنا بلا قيادة فعلية، للأسباب التي وردت في الحلقة الماضية والمتعلقة بالاعتقالات والمطاردات التي طالت تنظيماتنا، لم يكن هناك ما يمنعنا من الاحتفال بطريقة مختلفة وفعّالة، وكردّ فعل ضد البعثيين المتسلطين.

التقينا (أنا وهـ وأخي وث وم)إضافة الى زميل اخر قال سألتحق بكم اثناء التنفيذ، في بيتنا (الواقع في القادسية قرب خزان الماء المجاور لإعدادية الأمين، بعد أن انتقلنا إليه من البياع). وفي هذا اللقاء قررنا أن نحتفل بذكرى تأسيس الاتحاد بطريقة عملية وفعّالة رغم الظروف الصعبة.

كان الاتفاق كالتالي:

أن نشتري كمية وافرة من الشوكولاتة ذات نوعية ممتازة من مصروفنا الخاص، ثم نقصّ قصاصات ورق أبيض صغيرة نكتب عليها تحايا لذكرى التأسيس، واستذكار شهداء الحركة الطلابية، والمطالبة بالإفراج عن زملائنا المعتقلين، إضافة إلى بعض الشعارات التي تمجّد نضال اتحادنا وأهدافه. ثم نلفّ الشوكولاتة بهذه القصاصات ونعيد تغليفها بغلافها الأصلي.

وقد رسمنا خطة لتوزيع هذه الشوكولاتة في إعداديتَي المنصور والكندي، كما اشترينا عددًا من الكارتات الجميلة وكتبنا عليها التحايا والشعارات. ثم عدنا إلى خطة التوزيع وآلية التنفيذ.

اتفقنا أن نقوم جميعًا بالعمل في المدرستين؛ نذهب مساءً ونلتقي بحارس كل مدرسة بحجة أن زميلنا (اسم وهمي) في الصف، وغدًا لديه امتحان المسكين وقد نسى كتابه في الصف.

كان ثلاثة منا يشغلون الحارس، بينما يقوم الثلاثة الآخرون بتنفيذ المهمة، مع إعطاء الحارس بعض الحلوى وبعض السكائر لإبعاده عن الانتباه.

وفعلاً نجحت الخطة في إعدادية المنصور، حيث صعدنا(أنا وهـ وم) وأنجزنا العمل بسرعة. ثم توجهنا إلى إعدادية الكندي وطبقنا الأسلوب نفسه، وأذكر أنني رميت بعض الكروت من تحت باب غرفة الاتحاد الوطني تحدياً.

وفي هذه المرة أنجز بعضنا المهمة، بينما بقي أحدنا يشغل الحارس الذي اعترض في البداية.

غادرنا المنطقة بسرعة، وكان الوقت قد بدأ يميل إلى الظلام، واتفقنا أن نذهب في صباح اليوم التالي في وقت الدوام الاعتيادي وبهدوء تام، وكأن لا علاقة لنا بالموضوع إطلاقًا.

في الحقيقة، بقيت قلقًا حتى جاء الصباح، وذهب كل منا إلى مدرسته. أما في مدرستي (إعدادية المنصور)، فقد وجدت سيارة نجدة والطلبة خارج أسوار المدرسة، وكان هناك همس بين الطلبة بأن الشيوعيين اقتحموا المدرسة ووزعوا منشورات ممنوعة.

كان أعضاء الاتحاد الوطني مذعورين، وكذلك إدارة المدرسة. وكنت أتوقع أن يتم استدعائي من قبل الاتحاد الوطني، لكنهم لم يفعلوا، وبقيت عيونهم تتلصص علينا أنا وهـ، بينما كنا نتظاهر بالانشغال مع بقية الطلبة، نفتح الشوكولاتة ونأكلها ونقرأ القصاصات.

وبعد هذه السنوات الطويلة، وحين نستذكر ذلك العمل (البطولي)، نعتقد أننا قمنا بعمل كان لا بد منه، وقد أدرك الطلبة أن الاتحاد الوطني ليس الاتحاد الوحيد، وأنه لا يمثل مصالحهم الحقيقية، بل يمثل السلطة الحاكمة.

(يتبع)