للذهاب الى صفحة الكاتب   

من رحم النضال/ 30

د. مزاحم مبارك مال الله

 

 

كنت منشغلاً بدروسي، فإذا بجرس البيت يرن (بيتنا الجديد الذي استأجرناه في حيّ القادسية قرب مدرستي القديمة، متوسطة المعتصم، مجاور خزان الماء العالي).

خرجت لأرى من الطارق، فإذا به نذير، أخو الزميل محمد الذي لم أعرف أخباره منذ ان كبسنا كلاب الامن البعثي ولم يوافني أحد بها. رحّبت به وحاولت أن أستضيفه إلى البيت، إلا أنه رفض وقال:

"أنا جئت إليك خصيصاً بكلمتين وراجع."

• نعم  نذير تفضل، شلونه محمد؟

      محمد يسلم عليك…روح لكاك صالح الذي يعمل في محل الإسكافي في الصالحية قرب مبنى الإذاعة، وهو راح يشرح لك كل شيء عن محمد.

وقبل أن يستأذن ليكمل كلامه قاطعته وقلت:

• بس طمّني، محمد زين؟ خو ما بيه شي؟

      عيني مزاحم… محمد زين، وقلت لك يسلم عليك. مع السلامة.

 

تركني وغادر على وجه السرعة، وبقيت مشدوهاً عند باب البيت الرئيسي، وقد طارت بي الأفكار خلال لحظات، وكأنني في منطقة الصالحية.

في اليوم التالي ذهبت إلى محل الإسكافي، وكان منزوياً وكأنه قد اختير بعناية في أحد الأزقة. سلّمت على الرجل المتقدم في السن الجالس خلف ماكينة خياطة الأحذية والحقائب:

• السلام عليكم

      وعليكم السلام ورحمة الله (بلكنة غير عربية خالصة)، نعم تفزل- (تفضل).

• العفو… أنا أسأل عن الأخ صالح.

فأشار بيده إلى رجل كان منشغلاً مع أحد الزبائن. ردّ صالح عليه بالكردية مشيراً إليّ، ففرّغ كاك صالح نفسه بسرعة، ورحّب بي بصوت رخيم (يدل على كونه مدخناً مزمناً)، ولكن بلكنة أوضح من صاحبه. سألني عن اسمي، فأجبته، لكن بدا أنه يستثقل اسمي، وقال:

"خلّينا نشرب چاي بالجايخانة."

جلسنا، وراح يحدثني بصوت خافت قائلاً:

"كاك محمد يسلم عليك هواي، وهو بخير، وراح ينزل من كردستان قريباً وسيلتقي بك. المهم، أنتم بيتكم بأمان؟ ماكو شي؟"

فقلت: بيتنا بأمان وماكو شي.

ثم استخرج من جعبة ملابسه الكردية (متعددة القطع) رزمة لا أعرف ما بداخلها، وسلّمها إليّ قائلاً:

"افتحها بالبيت."

 

عدت إلى البيت وأنا مزهوّ بأخبار أقرب الناس إلى نفسي، ومحملًا برزمة خمنت أنها منشورات. وفعلاً، حينما فتحتها، وكانت مغلّفة بحرفية عالية جداً، وجدت فيها نسخاً من منشور الحزب الشيوعي العراقي، مع رسالة مكتوبة بخط محمد (خطه الرديء الذي أميّزه دائماً).

محمد ذكر في رسالته:

"توزع في منطقة البياع."

 

تمّت المهمة بمساعدة من أعرفهم (عادل، ومشعل، وعلي ومحمد صالح). وكان البيان خاصاً باستنكار الملاحقات والمطاردات الشرسة التي تشنها سلطات البعث ضد الشيوعيين والقوى الوطنية والديمقراطية، رغم اجواء المباحثات حول الميثاق الوطني البعثي والجبهة الوطنية.

(يتبع)