للذهاب الى صفحة الكاتب   

الاشوريون في التاريخ- الحلقة 33

اشوربانيبال، واخوه- شمش- شم– اوكين

يعكوب ابونا

 

دامت العلاقات الودية بين الاخوين اشوربانيبال وشمش -شم- اوكين سبعة عشر سنة، اي حتى عام 654، لأنه في عام 655 - كما تفيد إحدى الحوليات الملكية «عاد مضجع بعل السابق من مدينة أشور إلى مدينة بابل»، وفي السنة التالية أعيدت عربة بعل، وكلاهما كان ضمن الغنائم التي اخذت من بابل قبل خمس وثلاثين سنة، حين هدم سنحاريب المدينة.

 ولكن عندما أقام آشور بانيبال اثنين من صنائعيه في عيلام كملك ونائب للملك، اثارت حفيظت الكارهين لاشور، فنشطت الدسائس بين مختلف التكتلات في عيلام حتى وصلت بابل واندلعت الحرب الأهلية عام 652 ق .م، فظهر على مسرح الاحداث ملك بابل (شمش- شوم- اوكين)، الذي اختلفت الاراء عن الاسباب التي قادته الى التمرد على اخيه اشوربانيبال، يعزى البعض الى الطموح الشخصي ظهر لديه، واراد ان ينافس شقيقه اشوربانيبال، خاصة بعد ان وجد ان لديه الكثير من المناصير والمؤيدين لتحقيق طموحه هذا. وهناك من يعتقد بان كان هناك من الحاقدين اشور يحرضونه على ملك نينوى، بدافع  نزعة التحرر من سيطرة اخيه  اشوربانيبال. لابل ووفق تحليل شخصية شمش اوكين، نجد انه قد اصابه الغرور لدرجة وجد بان من حقه كملك بابل ان يمتلك ويسيطر ويهيمن على العالم، كما اخوه، وبنزعة الطموح والتحرر من نفوذ الملوك الاشوريين، وجد بانه يمكن ان ياخذ بجدارة لقب ملك الجهات الاربعة.

 كان الدعم والمساندة والتحريض الذي ناله في عام 652 – 651 ق.م، من (همبانيغاش) الملك العيلامي وبعض ملوك (كلده) دافعا اساسيا لتحرك ضد ملك نينوى، مما دفع ذلك الى اتخاذ اخطر قرار ضد اشوربانيبال.

  خاصة القرار الذي اتخذه عمدا ونكاية بالاشورين عندما امر باغلاق ابواب سبار وبابل وبارسيبا بوجه الاشوريين، لم يسبقه احد باتخاذ مثل تلك القرارات الرديئة بحق مصالح اخوه، لابل اكثر من ذلك اذ حاول الى اقامة تحالفات معادية بوجه اخيه ملك الاشوريين، فعمد للتحالف مع الفينيقيين والفلسطينيين ومملكة يهوذا وعرب بادية الشام ، واكثر من كل ذلك بانه خطط بتوسيع هذا التحالف ليمتد الى مملكة ليديا ومصر، بالاضافة الى التوجه الى اعداء اشور التقليدين الكلديين والعيلاميين.

الا ان الاشوريين اكتشفوا هذه المؤامرة الكبيرة التي حيكت ضدهم، والا لو كانت الخطة ان تنجح بهجوم مشترك من هذا الاطراف وفي ان واحد، لا يستبعد بانها والحالة هذه كانت تؤدي الى القضاء على اشور قضاء محققا وتاماً، الا ان اكتشاف تلك الخطة في الوقت المناسبة من قبل الاشوريين ساعد اشوربانيبال الى ان ياخذ الحيط والحذر، فاثر الالتجاء الى اسلوب المخاطبة الدبلوماسية مع اعداءه، فوجه كتب تحذير شديدة اللهجة اليهم وخاصة الى البابلين يقول في هذا التحذير او الانذار مايلي:

((اما تلك الكلمات الجوفاء التي اسمعكم اياها ذلك الاخ العاق فقد بلغت كلها مسامعي وهي ليست الا ريحاً ذاهبة فلا تصدقوة ........ لاتصغوا حتى ولا لحظة واحدة لاكاذيبة، ولا تلطخوا اسمكم المجيد الناصع امامي وامام كل العالم بالعار ولاتجعلوا من انفسكم اثمين بحق الالهة المقدسة)) جورج رو 445 "

 الا ان شمش- شوم –اوكين لم يصغي لنداء الملك اشوربانيبال اخوه، بل  لا يستبعد الى انه قد اعتقد ان ذلك النداء، ليس الا ضعف من اخيه، فاعلن العصيان على اخية، بعد سبعة عشر عام من المودة والاخلاص، لشقيقه اشورباتيبال وولاءة التام لنينوى.

 ولكن طموحه وغروره، وتدخل الطامعين بزوال اشور وتحريضه بالوقوف بوجه ملك  نينوى، دفعه الى الاعتقاد بانه واياهم يمكنه ان يحقق طموحه في السيطرة على الممالك وجعل منافسة بابل لنينوى امراً محققاً وواقعاً. ولتحقيق ذلك فما كان منه الا ان يقوم باعمال عدائية ضد مدن وقرى التابعة للدولة الاشورية. فقام بمهاجمت الحامية العسكرية الاشورية في الكوت. محاولا اثارة انتفاضة شاملة ضد بلاد اشور في بابل. الا ان اكثر سكان المدن الكبيرة بما فيها بابل بقوا على تايدهم للملك الاشوري, مما ساعد هذا التاييد الجيش الاشوري بالحاق الهزيمة بالجيش العيلامي, وملاحقتهم واتباعهم في جنوب بلاد بابل من القوات الكلدية المنظمة التي ساعدت شمش – شوم – اوكين، فحاصر الاشوريين (بورسيبا) ومدينة بابل التي يسيطر عليها (شمش شوم اوكين) فبقى محصورا بالمدينة حتى عام  (648) ق. م. 

رغم  ان الحلف الذي كان قد شكله شمش شوم اوكين قد نفض من حوله ولم يبقى من مسانديه احد. الا ان ملك بابل شمش اوكين لم ييأس من النصر، فاستمر السجال والحرب بينهم مدة ثلاثة سنوات، حسب ما هو مدون في احدى الوثائق البابلية، ولاشتداد الحصار على بابل فقد حدث الوباء والجوع، فعقدوا البابليين الصلح مع الاشوريين، وفتحوا ا بواب بابل للجيش الاشوري فدارت الدوائر على شمش شوم اوكين ولم يجد املا بالنصر ولا مفرا بالنجاة وغشي من ان يقع اسيراً بيد اخيه اشوربانيبال، فقام بحرق قصره وباد النار كل من كان في القصر هو ونساؤه واولاده جميعا من ساكنيين والتواجدين في القصر وكان ذلك عام 648 قبل الميلاد. (ادي شير – المصدر السابق ص 129)، الا ان اشوربانيبال لم يدع الواجب المطلوب منه ان يفوته فكان حريصا على ان يتم دفن أخيه وزوجة اخية، بما يليق بهم مع مراعات الطقوس الدينية الي تراعى في مثل هذه الاحوال، وما كانت لهم من مكانه ملكية في حاشية البلاط. اما الاخرين الذين شاركوا في هذا التمرد خاصة القادة منهم فقد القى القبض عليهم فقطعت ومزقت اجسادهم وجعلت طعاماً للكلاب والخنازير ووالذئاب والنسور وطيور السماء واسماك البحار.

 واما في عيلام وبسبب انضمام الملك همبانيغاش الى شمش شوم اوكين، قام الملك (طماريتو) بنحي شقيقه عن العرش، فقام احد الطامعين بالعرش يدعى (إندابيغاش) فنحا الاخير عن العرش واستولى على الحكم. وخلع هو الاخر من قبل مدعي اخر هو (أمانلداسي). الا انه هو الاخر خلع من قبل مدعي ثالث يدعى (أمباهابوا). فما كان من الجيش الاشوري الا ان يتوجه الى مدينة السوس التي كانت مقرا لحكم امباهابواّ، واعادوا طماريتو الى عرشه، الى ان ذلك لم يدم طويلا اذ ظهر امانلداسي ثانية، فاضطر الجيش الاشوري الى التدخل ثانية، ودمر القسم الكبير من السوس وكان ذلك عام 640 ق.م.

 ان تدخلات الاشوريين في عيلام لم تسفر عن استقرار الوضع، لان الخلافات الداخلية في مملكة عيلام، والتوترات الناجمة عما كانوا يعانوه من الضغط الذي كان يمارس عليهم من (الفرس) شعب الشمال الذي كان يحاول ايجاد سكن له بالسيطرة على المنطقة.

 مع كل ذلك بقوا العيلاميون مصدر قلق وتهديد لبلاد بابل. بالاضافة الى ما كانوا يسببونه من العرقلة والفوضى التجارية في المنطقة، استمرت بابل عرضة للاضطرابات القبلية في جنوب بلاد النهرين. مستغلين ضعف الحكم الاشوري في بابل الذي كان  يدار من قبل شخص يدعى (كاندالاتو) الذي عينه اشوربانيبال بعد مقتل شمش- شوم- اوكين، حاكما لبابل، لم يكن هذا الشخص من القدرة والكفاءة التي كانت مطلوبه منه انذاك، ولم يكن له ادارة مميزى في ادارة بابل بعد ازمتها بل ما عرف عنه لايزيد عن كونه واجهه خارجية لسلطة اشوربانيبال. ولم يعرف عنه سوى ذلك، فلقد كان بمفهوم اخر غامض الهوية. في الوقت الذي يذهب البعض الى الاعتقاد بانه كان نبيل كلدي. هذا ما يذهب اليه الكثيرون من الكتاب، من هم – هنري ساغس – وغيره.

 الا ان ادي شير في ص 129 من الجزء الاول – كلدو واثور – يذكر، بان قبل خروج اشوربانيبال من بابل قبض على يدي بيل الاله وجعل نفسه ملكاً على بابل واتخذ له اسم (قندلانو) ثم ولى عليها قائداً من قواده يقال له (شمش ادناني) ورجع بعدها اشوربانيبال الى نينوى غانماً مظفراً، وكان ذلك سنة 648 قبل الميلاد.

 

وعن الحاكم الجديد لبابل نتكلم بالحلقة القادمة ... بعون الله ...

يعكوب ابونا ...............16 /7 /2026