
تمثال الجواهري الجديد لنداء كاظم وما أثاره من جدل
علاء اللامي
كاتب عراقي
تمثال الجواهري للفنان نداء كاظم لا يختلف كثيرا عن تمثال السياب. أقول ذلك كمشاهد ومتذوق لا علاقة تخصصية له بفن النحت. ومن معلوماتي العامة، أعتقد أن مساهمة النحاتين العراقيين مهمة في سردية النحت العربي والعالمي المعاصر ولكن مع شيء من المبالغة في حجمها ونوعها. فقد بلغ الفن النحتي العراقي ذروة ازدهاره الإبداعي مع أعمال النحات العبقري جواد سليم وعمله الأبرز نصب الحرية الممجد لثورة 14 تموز الجمهورية والذي نصب سنة 1961 (توفي الفنان سليم قبل أن ينتهي من عملية التركيب والنصب)، وخالد الرحال وأعماله المهمة ومنها نصب الأمومة في حديقة الأمة ببغداد، ومحمد غني حكمت وعمله الأبرز كهرمانة. أما من الجيل اللاحق فتلفت الانتباه أعمالُ سهيل الهنداوي وشوان كمال في دقتها التشريحية مع شيء من المبالغة والاهتمام الزائد بتفاصيل الوجه على حساب باقي تفاصيل الجسد الإنساني.
أما في ما يخص أعمال الفنان نداء كاظم، فقد ارتبطتُ بعلاقة صداقة طويلة بفنانين عراقيين كانا زميلين للفنان نداء كاظم في إيطاليا، توفي أحدهما قبل سنوات قليلة ومازال الثاني حياً يشاركني وحشة طريق "شباب في السبعينات". وكان الأول متحمسا جدا لزميله نداء كاظم في حين كان الثاني يخالفه الرأي. وحين كنت أصغي لحواراتهما التي لم تكن تقل حدة عراقية عن حواراتنا السياسية أجد نفسي أقرب إلى الاقتناع بآراء وحجج الصديق الثاني النقدية وخصوصا حول تمثال كاظم للشاعر الراحل بدر شاكر السياب الذي لا أستسيغه كثيرا وأراه أقرب إلى كاريكاتير نحتي عشوائي للشاعر الكبير الراحل! أما تمثاله الجديد للشاعر الجواهري والذي أثار جدلا طويلا وعريضا في الوسط التواصلي فهو أسوأ كثيرا من تمثال السياب.
أعتقد أن الحديث عن النحت العراقي في عهد شاعت فيه الرثاثة في شتى ميادين الحياة وبلغت الذروة مع قيام حكم الطائفية السياسية والفساد المعمم (ليس من العمامة بل من العموم) وحتى قبله في عهد الاستبداد العصابي هو حديث ذو شجون ويمت بصلة المشابهة والتعليل إلى هذا العهد. ولعل أمثلة نصب وتماثيل مثيرة للقرف من قبيل أسد الحلة وباذنجانة البصرة والسيدة السومرية في الناصرية وتمثال الجواهري ودلال القهوة العملاقة تعكس بدقة مذهلة رثاثة نمط الحياة والفنون اليوم وتنتمي إلى صنف الارتزاق عبر الفن والمقاولات الفاسدة.
ولكن هذا الكلام لا ينطبق على الجميع من نشط وقدم إنجازا في النحت العراقي فهناك استثناءات دائما، وهو لا ينطبق من باب أولى على أعمال النحات نداء كاظم فهو فنان معترف به ينتمي إلى جيل فني سابق. علما أن كاظم بدأ حياته الفنية كتلميذ في سن متقدم كما أخبرني زميلاه. وعلى هذا ينبغي أن يحكم على أعماله بالمقاييس النقدية الفنية العلمية المعتمدة وهذا ليس اختصاصي.
أختم بوجهة النظر للمعماري العراقي المعروف إحسان فتحي حول هذا التمثال كما نقلها الصحافي العراقي كرم نعمة، كتب: "ما هكذا يُخلّد الجواهري! أرى ضرورة قصوى لاستبدال تمثال الجواهري في أبي نؤاس بآخر يليق بشاعر العرب الأكبر". يقول فتحي إن هذا العمل هزيل وغير مقبول بكل المعايير. حتى الذكاء الاصطناعي قادر اليوم على اقتراح عشرات التماثيل للجواهري أفضل بما لا يقارن من هذا العمل المؤسف/ انتهى الاقتباس".
في السياق، ثمة تمثال جميل وغير مصرح باسم مبدعه للشاعر الجواهري في حديقة سامي عبد الرحمن بأربيل. وهو على الأرجح كما قيل لي للنحات سليم عبد الله. وهذا العمل مؤلَف أيضا من قطعتين واحدة للرأس وأخرى خلفه للجسد واقفا/ وسأنشر صورة للتمثال بجزأيه في التعليق الثاني. ويبدو أن نداء كاظم كرر أسلوب القطعتين ولكنه جاء نافرا بعض الشيء.
وقلت إن الفنان هو سليم عبد الله على الأرجح، وليس بالتأكيد، إذْ ثمة تقليد سيء في العراق في التعامل مع الفنانين وهو إهمال اسم وتعريف اسم الفنان صاحب العمل. وقد بذلت جهدا كبيرا للوصول إلى هذا الترجيح/ سأضع صورة لهذا التمثال في أول تعليق أما صورتا تمثالي الجواهري والسياب المرفقتان بالمنشور فهما للفنان نداء كاظم.
وفي السياق ذاته، فحين سألت عن الفنان الذي أبدع تمثال الشهيد مؤسس الجمهورية العراقية عبد الكريم قاسم والذي ضُمِّنَت صورته في تصميم غلاف كتابي عن ثورة 14 تموز قبل أشهر، قيل لي إن اسم النحات غير مذكور على قاعدته. وحتى حين عرفنا اسمه لم نذكره لأنه غير مذكور على قاعدة التمثال بشكل رسمي وقد يكون هو صاحب هذا العمل أو قد ينكر عائديته له لسبب أو لآخر!
*تجد جميع الصورة المشار إليها مع المقالة على صفحتي في الفيسبوك ورابطها أدناه:
https://www.facebook.com/allamialaa
