
تصعيد بلا سقوف:
قراءة في سيناريوهات المواجهة المباشرة بين إيران والولايات المتحدة
حيدر حسين سويري
تشهد منطقة الشرق الأوسط تحولاً دراماتيكياً في طبيعة المواجهة العسكرية بين إيران والولايات المتحدة، حيث تجاوزت التطورات الأخيرة قواعد الاشتباك التقليدية أو ما كان يُعرف بـ "حرب الوكالة"، لتنتقل إلى مواجهة مباشرة وعنيفة تعيد رسم خارطة النفوذ والردع في المنطقة.
أولاً: القراءة الميدانية.. تحول استراتيجي في طبيعة الأهداف
الوقائع الميدانية الأخيرة تعكس "نقلة نوعية" في بنك الأهداف الإيراني؛ فلم يعد القصف مقتصرًا على القواعد العسكرية التقليدية، بل امتد ليشمل عصب المصالح الحيوية والتكنولوجية والاقتصادية لحلفاء واشنطن:
*استهداف البنية التكنولوجية والاقتصادية: قصف مركز للذكاء الاصطناعي في البحرين وتدمير جسور حيوية في الكويت يعكس رغبة طهران في شل القدرات اللوجستية والمعلوماتية التي قد تستفيد منها القوات الأمريكية.
*معركة الممرات البحرية: ضرب ناقلات النفط في مضيق هرمز واستهداف السفن الأمريكية في المحيط الهندي يمثلان رسالة مباشرة بقدرة إيران على خنق خطوط الطاقة العالمية وإجبار البحرية الأمريكية على التراجع خطوة إلى الوراء.
*تجاوز منظومات الدفاع الجوي: وصول الصواريخ المتطورة إلى أهدافها دون اعتراض (كما أظهرت المقاطع المتداولة) يشير إلى تطور في التكتيكات الإيرانية يعتمد على الكثافة والنوعية، مما يضع كفاءة المظلة الدفاعية الأمريكية والغربية في المنطقة المحيطة تحت اختبار حقيقي.
ثانياً: تحليل تصريحات "محسن رضائي".. التهديد بـ "الخيار الشمشوني"
تمثل تصريحات محسن رضائي، المستشار العسكري لمرشد الثورة، نقطة تحول سياسي وعسكري بالغة الخطورة. التلويح بـ "الهجوم البري وتجاوز الحدود" ليس مجرد مناورة خطابية، بل يمكن قراءته عبر ثلاثة أبعاد تفاعلت معها آراء النخبة والمحللين:
1. مقاربة الأزمة والضعف: يرى فريق أن هذا التهديد يعكس ضيق الخيارات الإيرانية تحت وطأة الضربات الأمريكية المتتالية للبنية التحتية، وهو محاولة لرفع السقف اللفظي لردع واشنطن ومنعها من الذهاب بعيداً في حملتها الجوية.
2. معادلة الردع المتبادل (تهديد بتهديد): يرى اتجاه آخر أن التصريح يأتي كرد فعل موازٍ للتهديدات الأمريكية الشاملة، وخلق توازن رعب مفاده: "الاجتياح مقابل الاجتياح، والتدمير مقابل التدمير".
3. أجندة "الصقور" والتمدد التاريخي: يذهب قراء المشهد الأكثر راديكالية إلى أن التصريح يزيح الستار عن طموحات دفينة لدى التيار المتشدد في طهران، مستغلاً حظة الفوضى الإقليمية لفرض واقع جغرافي وسياسي جديد على الضفة الغربية للخليج العربي.
إن خطورة هذا التصريح تكمن في أنه ينقل الصراع من دائرة "الضربات الموضعية المتبادلة" إلى دائرة "التهديد الوجودي" لكيانات ودول بأكملها، خاصة في ظل تفوق عددي وعقائدي للقوات البرية الإيرانية (الجيش والحرس الثوري) وصعوبة مراهنة المنطقة على غزو بري أمريكي مضاد ومكلف.
ثالثاً: الإجابة على بعض التساؤلات المطروحة
س١: ما هو القول الفصل في تصريحات محسن رضائي؟
ج/ تصريحات رضائي هي إعلان رسمي عن انتهاء مرحلة "الصبر الاستراتيجي" والدخول في مرحلة "الردع الوجودي". هي بمثابة رسم خط أحمر مغطى بالبارود لإدارة ترامب، ومفاده أن استمرار التصعيد غير المدروس واستهداف الداخل الإيراني لن تقتصر شظاياه على القواعد الأمريكية، بل سيؤدي إلى تفجير النظام الإقليمي بأكمله عبر تحريك الآلة البرية الإيرانية.
س٢: هل يقتصر التحرك الإيراني البري (في حال حدوثه) على دول الخليج فقط؟ أم يتوسع ليطال دول أخرى وحلفاء آخرين؟
ج/ من الناحية الجيوسياسية والعسكرية، لن يقتصر التحرك الإيراني البري على جبهة الخليج العربي فحسب، بل سيتخذ طابعاً متعدّد الجبهات والمحاور لعدة أسباب:
المحور الغربي (العراق والشام): يمتلك الحرس الثوري وحلفاؤه نفوذاً برياً ممتداً يربط طهران ببغداد ودمشق وبيروت. أي تحرك بري شامل سيعني حتماً تفعيل هذه الجبهات دفعة واحدة لتطويق المصالح الأمريكية، واستهداف حلفاء واشنطن في العمق والشمال الإمارتي/السعودي، بالإضافة إلى فتح جبهة مباشرة ومكثفة باتجاه الأردن (الذي استُهدفت فيه قاعدة موفق السلطي جوياً بالفعل).
توسيع رقعة الاستهداف برياً وعبر الوكلاء: تدرك طهران أن أي توغل بري في الخليج سيواجه بحصار بحري وجوي هائل، لذلك ستعمد إلى توسيع الجبهة البرية لتشمل مناطق النفوذ في اليمن (عبر تمدد بري باتجاه الحدود الجنوبية للسعودية) وفي أطراف الهلال الخصيب لتشتيت القدرات الجوية الأمريكية وحلفائها.
الهدف الاستراتيجي الإيراني: في حال اندلاع حرب برية، لن يكون الهدف السيطرة على رقعة جغرافية محدودة، بل خلق "حزام ناري" يمتد من وسط آسيا وصولاً إلى البحر المتوسط والبحر الأحمر، لفرض شروط استسلام كاملة على القوى الدولية والإقليمية.
بقي شيء...
إن المنطقة تقف اليوم على حافة الهاوية؛ فالتصعيد غير المدروس، وتداخل حسابات القوة بين اندفاعة إدارة ترامب والرد الإيراني الشامل بصواريخ نوعية، وتحريك ورقة التهديد البري، كلها عوامل تشير إلى أن أي شرارة إضافية قد تحول الشرق الأوسط إلى ساحة لحرب إقليمية ثالثة، لا توجد في حساباتها دولة نائية عن الخطر أو السقوط في أتون الفوضى.
